انتهى تقدير موقف الكيان الصهيوني إلى أن تزايد فرص فوز المرشح الديمقراطي "جو بايدن" في الانتخابات الأمريكية على حساب الرئيس دونالد ترامب؛ ربما يدفع المملكة نحو تسريع خطوات التطبيع مع "الكيان الصهيوني" كوسيلة لتعزيز العلاقات مع الإدارة الأمريكية الجديدة.

وبحسب التحليل الذي أعده "يوئيل جوزانسكي" لمعهد دراسات الأمن القومي الكيان الصهيوني، فإن فوز بايدن ربما يضع النظام السعودي في ورطة كبيرة؛ بفعل سياسات ولي العهد محمد بن سلمان التي تسببت في تشويه صورة المملكة عالميا وداخل الكونجرس الأمريكي؛ وبالتالي في حالة فوز بايدن فإن المملكة لا تملك أوارقا يمكن أن تعزز بها العلاقات مع إدارته سوى ورقة التطبيع مع "الكيان الصهيوني"؛ فمن المرجح أن يؤدي مثل هذا الاتفاق مع الكيان الصهيوني إلى تحسين صورتها ومكانتها الدولية، بما في ذلك في الكونجرس الأمريكي.

ولإغواء الرياض بالتطبيع، يرى "جوزانسكي" أن مثل هذا الاتفاق سيساعد في تحقيق مزايا للرياض منها الوصول بسهولة إلى التكنولوجيا الكيان الصهيونية كما يعزز نفوذ السعودية في الأماكن الدينية في القدس. كما أن من شأن اتفاق تطبيع مع "الكيان الصهيوني" أن يكون عامل ردع لإيران في المنطقة، لأنه ربما يسهم في حصول الرياض على سلاح أمريكي متطور كطائرات أف 35 ، أو حتى الحصول على سلاح نووي كشرط لإبرام اتفاق تطبيع مع الكيان الصهيوني.

ويؤكد "جوزانسكي" أن تل أبيب حريصة كل الحرص على إبرام اتفاق تطبيع مع المملكة العربية السعودية لما تحملة من قيمة ومكانة دينية مرموقة في العالم الإسلامي. لكن من المرجح أن يكون ثمن التطبيع مع المملكة أعلى منه مع دول الخليج الأخرى، وبالتالي ليس من الواضح متى وتحت أي شروط ستكون السعودية على استعداد لتوقيع اتفاقية على غرار اتفاقيات الإمارات والبحرين والسودان.

وبحسب "جوزانسكي"، يُظهر دعم السعودية لاتفاقات "إبراهام" مدى انحرافها عن موقفها السابق.ويظهر هذا التغيير في الإذن الممنوح للطائرات الكيان الصهيونية بالتحليق في الأجواء السعودية من وإلى الإمارات والبحرين، والتغطية الإعلامية الإيجابية تجاه الكيان الصهيوني، وتصريحات كبار المسؤولين الحاليين والسابقين في المملكة. ويستدل على حجم الانحراف في الموقف السعودي بتصريحات وزير الخارجية "فيصل بن فرحان" مؤخرا والتي أقر فيها أن تطبيع العلاقات بين (مكة وتل أبيب) أمر لا مفر منه. علاوة على أن السعودية لم تعد تكتم انتقاداتها للقيادة الفلسطينية. كما تتطابق الرؤى السعودية مع "الكيان الصهيوني" في اتهامهم بإعاقة المفاوضات ولوم الفلسطينيين على عدم إحراز تقدم في عملية السلام. لكن "بن فرحان" شدد على أن المملكة لا تزال تشترط لعلاقات طبيعية مع الكيان الصهيوني حل القضية الفلسطينية على أساس مبادرة السلام العربية.

ويستعرض "جوزانسكي" تطور العلاقات بين (الكيان الصهيوني) والسعودية عبر عدد من القنوات الموازية على مر السنين، ومنها القناة الأمنية الاستخباراتية التي لا تزال تشكل أساسًا ثابتًا للعلاقات التي ظلت سرية بالضرورة، والقناة الاقتصادية التجارية، وفي السنوات الأخيرة، فتحت قناة تركز على الحوار بين الأديان.ومع السرية التي تميزت بها معظم هذه القنوات، تطورت العلاقات العلنية أيضًا بمرور الوقت، وتشمل الآن اجتماعات بين شخصيات بارزة من كلا الجانبين، وخاصة أولئك الذين شغلوا مناصب رسمية سابقًا.
ويذهب التحليل إلى أنه وبالرغم من نفي كبار المسئولين السعوديين، فمن المحتمل أن تكون المفاوضات والاتفاقيات مع الإمارات والبحرين والسودان قد جرت بعلم ودعم القيادة السعودية. وأن هذه الاتفاقيات بشكل عام تخدم مصالح المملكة وتمنحها مقياسا يمكن استخدامه لتقييم الفوائد والمخاطر المحتملة لاتفاق محتمل مع "تل أبيب" بما في ذلك ردود الفعل العامة.

ويناقش جوزانسكي تناقضات الموقف السعودي بين الملك وولي عهده، لافتا إلى أن الملك سلمان يمثل العقبة الكبرى أمام اتفاق تطبيع محتمل باعتباره من يتبنى وجهة النظر التقليدية التي تلتزم بمبادرة السلام العربية والتي ترهن أي اتفاق تطبيع مع "الكيان الصهيوني" بمدى التقدم في الملف الفلسطيني وإقامة دولة فلسطينية على حدود 67 عاصمتها القدس. وهو الموقف الذي عبر عنه خطاب العاهل السعودي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2020م. بينما تبدو تصريحات نجله ولي العهد محمد بن سلمان متناقضة وأكثر انفتاحا على إقامة علاقات مع "تل أبيب" ويفسر "جوزانسكي" ذلك بأن المملكة تريد الاحتفاط بمساحة كافية للمناورة لتمكينها إما من التراجع عن التطبيع أو التقدم نحوه، حسب الظروف. وفي كل الأحوال فإن احتمالية التطبيع ستزداد بوفاة الملك سلمان وتعيين نجله "محمد" ملكا.

ورغم الإقرار بالتغيرات الكبيرة التي حدثت في المجتمع السعودي خلال السنوات الماضية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والدينية فإن ذلك ليس كافيا لقبول السعوديين باتفاق تطبيع مع "الكيان الصهيوني"، لكن التغييرات الهيكلية الأخيرة في المملكة، بما في ذلك مجلس الشورى السعودي ومجلس كبار العلماء ستساهم في تمهيد الطريق للتطبيع بحسب التقرير.

ويذهب "جوزانسكي" إلى التأكيد على أن بن سلمان سوف يعمل على توظيف المؤسسة الدينية في خدمة أجندة التطبيع ودعم سياساته الرامية نحو إقامة علاقات طبيعية مع "تل أبيب"؛ مع التأكيد على أن الدين يلعب دورا رئيسيا حيث توظفه السلطة للتأثير على المشاعر وكسب شرعية لمواقفها أمام الرأي العام. ومن المتوقع أن يواصل "بن سلمان" استخدام المؤسسة الدينية ضد المعارضة لتمهيد الطريق لإجراءات سياسية مثيرة للجدل، بما في ذلك التطبيع مع الكيان الصهيوني.

وكان الفيلم الوثائقي الذي أعدته شبكة "بي بي إس" الأمريكية والذي تم بثه في سبتمبر2019م، ضمن برنامج "فرونت لاين، قد كشف أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تعهّد للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال زيارته للرياض في مايو 2017، بالاعتراف بالكيان الصهيوني وتطبيع التجارة معها إذا ساعدت الولايات المتحدة بلاده في "هزيمة إيران والسيطرة على الشرق الأوسط".
وقال مارتن سميث، مقدم الحلقة، التي حملت عنوان "ولي العهد"، إن بن سلمان أراد من ترامب أن يضمن مساعدة الولايات المتحدة في هزيمة إيران، ودعم طموحاته في أن يصبح اللاعب الرئيسي في الشرق الأوسط. وفي مقابل ذلك، تعهد بن سلمان بمساعدة ترامب وصهره، جاريد كوشنر، في حل النزاع الفلسطيني الكيان الصهيوني، وهو التعهد الذي أصبح لاحقًا نواة خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية، المعروفة إعلاميًّا باسم "صفقة القرن". وعرض الفيلم الوثائفي حديث المحلل العسكري في صحيفة "واشنطن بوست"، دافيد أغناتيوس، الذي اقتبس من بن سلمان قوله: "أرى شرقًا أوسطَ تكون الكيان الصهيوني جزءًا منه… أنا مستعد للاعتراف بها وإقامة علاقات تجارية معها"، مضيفًا أن بن سلمان "أغرى" الإدارة الأمريكية، وأصبح محور الخطة التي يواصل كوشنر الترويج لها.

Facebook Comments