عيَّن الملك سلمان بن عبد العزيز أحد الضالعين في قتل جمال خاشقجي، وهو فيصل بن فرحان وزيرًا للخارجية، خلفًا لإبراهيم العساف الذي لم يكمل عامًا واحدًا في تولي حقيبة الخارجية بالمملكة.

وبعد مرور سنة على مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلده بتركيا، ما تزال صورة السعودية في أعيُن العالم تتلطّخ يوما بعد يوم. ومرت قبل أيام الذكرى الأولى لمقتل الصحفي السعوديّ البارز جمال خاشقجي، بعد الجريمة الشنعاء التي كتبت نهايته داخل قنصلية بلده بتركيا، وفتحت في المقابل الأبواب أمام العالَم ليكون شاهدا على جريمة دولية مكتملة الأركان، شملت الاستدراج والتعذيب وإخفاء الجثة.

تلميع آل سعود

وكعادة الإعلام السعودي الذي يعشق تلميع أحذية الأسرة المالكة، ينضم الأمير فيصل بن فرحان (45 عامًا) إلى قائمة الوجوه التي يجري تلميعها لتحتل مناصب وزارية بارزة في السعودية.

فقد كان الأمير فيصل، المولود في فرانكفورت بألمانيا، سفيرًا لبلاده في ألمانيا لعدة أشهر فقط قبل أن يحتل رأس الدبلوماسية السعودية، وتولى فرحان مناصب مهمة داخل السعودية في مجالات الاستثمار والصناعات العسكرية، قبل أن يصبح مستشارا في مكتب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لفترة وجيرة، ثم ينتقل إلى المجال الدبلوماسي لفترة قصيرة، إلى أن عينه الملك سلمان بن عبد العزيز في المنصب الجديد خلفا لإبراهيم العساف.

وتوالت الأيام وتعاقبت الفصول، وحلّ فصل الخريف، الشاهد على جريمة إسقاط ورقة خاشقجي من شجرة الحياة في الثاني من أكتوبر 2018، ولتكشف ريحُه العاتية وسائل النِّظام السعوديّ في تكسير الأقلام المزعجة، وتجاوز كل الحدود الجغرافية والأخلاقية لإخراس معارضيه.

عاد الخريفُ مجدَّداً، معلنا موت شُجيراتُ التلميع السياسي التي زرعها وليّ العهد محمد بن سلمان، تحت اسم الحداثة والانفتاح، كاشفا عن عدم قدرتها على تغطيةَ شمس حقيقةِ ضلوعه في الجريمة التي ارتكبها مقربون منه ضد صوت حر وأعزل، لينتقل النِّظام السعوديّ إلى مستوى جديد من الفجاجة بأساليب “الدولة المارقة” التي تخرق كل القوانين الدولية وتنتهك حقوق مواطنيها، بتعريف المفكر نعوم تشومسكي.

وكشف “المجهر الأوروبي لقضايا الشرق الأوسط” أن فرحان متورّط ضمن موجة الجدل المستمر منذ شهور حول دور السفارة السعودية في واشنطن، والسفير خالد بن سلمان، في عملية استدراج خاشقجي واغتياله داخل قنصلية بلاده في إسطنبول.

انتهاكات حقوق الإنسان

وواجهت السعوديَّة انتقادات حقوقية واسعة عقب مقتل الصحفي السعوديّ البارز، من طرف المنظَّمات الحقوقية والمنتظم الدولي، وتتواصل إلى اليوم، بعد إدانة السعوديَّة من طرف عدد من دول مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتَّحدة، على خلفية نفس الجريمة وانتهاكات حقوق الإنسان في البلاد.

وعلى الرغم من هذه الإدانات المتوالية للسجل المخزي لانتهاكات حقوق الإنسان، لا يبدو أن السعوديَّة تستفيد من الدرس، إذ تستمر سلطاتها في الاحتجاز التعسفي لنشطاء ومعارضين سلميين، قضوا فترات طويلة بالسجن دون محاكمة، وتتجلى تهمهم في انتقادهم السلطات أو الدعوة إلى إصلاحات سياسية وحقوقية.

وحسب منظَّمة “هيومن رايتس ووتش”، فقد واصلت السلطات السعوديَّة الاعتقالات والمحاكمات التعسفية والإدانات بحق المنشقين والنشطاء السلميين، بما فيها حملة واسعة منسقة ضد ناشطات حقوق المرأة.

كما تحدث تقرير حديث لمنظَّمة العفو الدولية (أمنستي)، عن أن المملكة العربية السعوديَّة تعاقب المدافعين عن حقوق الإنسان بالغرامة والسجن خمس سنوات، بعدما لجأت بشكل منهجي إلى قانون مكافحة الإرهاب واستخدمت قانون مكافحة جرائم الإنترنت. ووصفت المنظَّمةُ السعوديَّةَ بـ”مملكة الوحشية”، وقالت إن القمع المنهجي لحقوق الإنسان فيها تكثّف منذ تعيين الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد في يونيو 2017.

وفي نفس السياق، نشرت صحيفة الغارديان تقريرًا لها خاصًّا بعنوان “تقارير طبية مسربة: سجناء سياسيون يعذَّبون ويجوعون في السعوديَّة”، يكشف تعرُّض سجناء سياسيين، بينهم نساء، لسوء التغذية والحروق والإصابات والجروح بحسب تقارير طبية مسربة تم تجهزيها لتقديمها للملك سلمان بن عبد العزيز.

وأضافت الصحيفة أن هذه التقارير تعتبر أول دليل موثَّق من قلب النِّظام السعوديّ يؤكّد تَعرُّض السجناء السياسيين في البلاد لكمّ هائل من التعذيب الجسدي والإساءة على الرغم من نفيها المتكرر تعرُّضهم لأي نوع من سوء المعاملة.

انحدار رهيب

في هذا الإطار يقول عبد الإله الخضري، ناشط حقوقي، إن الحديث عن حقوق الإنسان في أي دولة “يستلزم وجود منظومة سياسية تراعي الحد الأدنى من قيم الديمقراطية، للأسف الشديد ما تشهده السعوديَّة انحدارٌ رهيب نحو أتون القهر والاستبداد، واستفراد فرد بمقدرات ومقومات وبمصير شعب”.

وأضاف الحقوقي أنه في ظل غياب الديمقراطية، فإن صانع القرار الفعلي هناك يملك بين يديه من النفوذ والحماية ما يمكنه من تدمير معارضيه ومحوهم بخاشقجي، ولا يزال يتربص بالباقي”.

الانتهاكات السعوديَّة لا تقتصر على مواطنيها، بل أيضا على الشعب اليمني، الذي ارتكبت فيه جرائم ضد الإنسانية وانتهك على أرضه القانون الإنساني الدولي، منذ بدء العمليات العسكرية ضد الحوثيين.

فمن الأشياء التي يمكن القول إن مقتل خاشقجي استطاع كشفها، هي فتح عيون العالَم على المأساة باليمن، والوقوف على ما ترتكبه السعوديَّة من انتهاكات، فبالموازاة مع تزايد الضغط على السعوديَّة لتقديم إجابات حول تفاصيل مقتل خاشقجي، ارتفعت الأصوات التي تطالبها بوقف النزيف والعودة للمفاوضات.

في هذا الجانب، انتقد الناشط الحقوقي ما اعتبره الصمت الدولي “الذي دفعته انتهازيته وأنانيته إلى غضّ الطرف عن البشاعات التي يقترفها بأسلحة الغرب عبر صفقات مليارية في اليمن، ونشر سمومه ببلدان عربية أخرى، رافعا راية التحذير من فزاعة الإرهاب والمد الشيعي، علماً أن هذا القمع هو المصدر الحقيقي والواقعي في صناعة الإرهاب، للإجهاز على إرادة الشعوب، التواقة إلى الحرية والكرامة والديمقراطية والسلام”.

Facebook Comments