كتب – جميل نظمي

كشفت صحف عربية تفاصيل جديدة حول واقعة مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني الذي عُثر عليه مقتولاً في طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي، بعد اختفائه في الذكرى الخامسة لثورة 25 يناير.

وتكشف وثائق المخابرات العامة التي حصلت "العربي الجديد" على بعض منها، وتؤكد صحتها المصادر القضائية، عن أن كاميرات المراقبة في منطقة الدقي بالقاهرة التي رصدت وصوّرت عملية خطف ريجيني تمّ مسحها وإتلافها بالطريقة ذاتها التي تمّ بها مسح وإتلاف كاميرات المراقبة التي صوّرت قتل المتظاهرين خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011 في ميدان التحرير.

مصطفى سليمان
مهندس تدمير التسجيلات، وأدلة الإدانة، وكلمة السرّ، والعامل المشترك في القضيّتَين، هو النائب العام المساعد، المستشار مصطفى سليمان، باعتبار أنّه رئيس هيئة التحقيق في قضية مقتل ريجيني.

كما أن سليمان هو رئيس الوفد القضائي المصري الذي سافر إلى روما، وعاد بعد فشل المباحثات. وهو ذاته قاضي التحقيقات الذي تولى من قبل التحقيقات مع الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك في قضية قتل المتظاهرين وقضايا الفساد. وكانت نتيجة التحقيقات التي تولّاها في القضيّتَين ذاتها في مسح التسجيلات الخاصة بوقائع كل قضية واستحالة رجوعها، وتدمير كل أدلة الإدانة، وفقاً للوثائق.

في قضية قتل المتظاهرين التي اتُهم فيها مبارك وقياداته الأمنية، دُوّنت الوثيقة الصادرة من المخابرات العامة في أعلاها بـ"سريّ للغاية"، وتحمل رقم قيد 4417، وصادرة بتاريخ 16 مارس 2011. وهي موجّهة من المخابرات العامة إلى النائب العام المساعد الأسبق، المستشار عدنان فنجري.

وجاء فيها، أنّه "بالإشارة لطلب النيابة رقم 19 لسنة 2011 بتاريخ 13 مارس 2011 بشأن طلب أشرطة تسجيل كاميرات المراقبة بالمتحف المصري خلال الفترة من 25 يناير وحتى 3 فبراير ، فإنه مرفق بهذه الوثيقة عدد 6 شرائط فيديو، تمّ تسجيلها خلال الفترة من 1 فبراير وحتى 3 فبراير فقط".

وتابعت الوثيقة، "أمّا المدة من 25 يناير وحتى 31 يناير ، وهي الفترة التي تظهر قتل الشرطة للمتظاهرين، والفترة التي حدّدتها المحكمة ضمن النطاق الزمني للقضية، واستبعدت ما بعدها من أحداث، فقد تم التسجيل عليها وتدميرها. أما الفترة قبل هذا النطاق الزمني وبعده، فهي متواجدة ومرفقة بالخطاب". وقالت المخابرات في الوثيقة من خلال ردّها للنيابة، إنّ "هذا النظام تم تركيبه منذ عام 1995، ولا يقوم بالتسجيل الأوتوماتيكي للكاميرات، إنما يعتمد على الإنذار وأفراد التشغيل".

بحثت "العربي الجديد" عن مدى صحة الوثيقة، وتواصلت مع المستشار مصطفى سليمان، الذي حملت الوثيقة إمضاءه في أعلاها على اليسار، وأقرّ بالفعل بصحة الوثيقة. وفي الاستفسار عن تفاصيلها وكواليسها، يوضح سليمان أنّه "كانت هناك كاميرات مركّبة في 3 أماكن في منطقة ميدان التحرير، وهي في المتحف المصري، والجامعة الأميركية، ومجمّع التحرير".

ويضيف أنّه قام بمراسلة هذه الجهات، فقامت إدارة المتحف بإرسال خطاب إلى النيابة العامة تؤكد لها أن التسجيلات التي يتم تسجيلها تُرسل مباشرة إلى المخابرات العامة، وهو أمر معتاد قبل ثورة 25 يناير. وقامت النيابة بدورها بمخاطبة جهاز المخابرات العامة لإرسال الأسطوانات (سي دي) بالتظاهرات والأحداث، فردّت أجهزة المخابرات على النيابة بهذه الوثيقة السرية التي كانت ضمن ملف قضية مبارك وقتل المتظاهرين التي تم تبرئته بمقتضاها.

أما بالنسبة لقضية مقتل ريجيني، فقد خرج المستشار مصطفى سليمان، في مؤتمر دولي، ليؤكد أن الجانب الإيطالي طلب تفريغ كاميرات المراقبة في مكان اختفاء ريجيني في الدقي، إلّا أنه تبين أن هذه التسجيلات تُمسح بشكل أوتوماتيكي، وأنّه تم مخاطبة الشركة المصنّعة للكاميرات هناك، لاسترجاع الفيديو، واتضّح عدم إمكانية ذلك.

وللتأكّد من تصريحات سليمان، توضح المصادر القضائية أنّ النيابة العامة طلبت خلال تحقيقاتها من الأجهزة المعنية، وتحديداً المخابرات العامة، أشرطة تسجيل كاميرات المراقبة سواء في الميادين العامة أو الفرعية في منطقة الدقي وضواحيها، أو المحلات التجارية المختلفة، أو الوحدات الشرطية، أو العسكرية، أو أي مراكز أمنية هناك، حتى السفارات أو القنصليات في المنطقة.

وجاء هذا الطلب لرصد كافة السيارات أو العربات بمختلف أنواعها، أو الأشخاص، أو رجال الشرطة، أو العصابات، الذين قي يكون دخل أو خرج أحدهم في نطاق المنطقة التي خُطف منها ريجيني. وهو النطاق الذي تم تحديده في منطقة الدقي، وذلك بناء على تتبّع شريحة الهاتف المحمول الخاصة به، وفقاً للمصادر القضائية. إلا أنّ الرد جاء من الأجهزة المعنية كما في قضية قتل المتظاهرين المتهم فيها مبارك، وهي أنّ تسجيلات الكاميرات أميركية الصنع مُسحت بشكل أوتوماتيكي في بعضها، أو أنّها لا تقوم بالتسجيل الأوتوماتيكي للكاميرات، إنما يعتمد على الإنذار وأفراد التشغيل، وأنها أتلفت ودمرت كما في قضية مبارك.

وتؤكد هذه المصادر أنّه بالنسبة للمباحثات القضائية بين الوفد القضائي المصري ونظيره الإيطالي، وصلت إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل، وتم تعليق التعاون القضائي، وذلك عقب الزيارة التي استمرت على مدار يومَي 7 و8 من شهر أبريل الحالي. وذلك بعد رفض الجانب المصري تلبية 5 طلبات للجانب الإيطالي اشترطها لاستكمال التعاون القضائي بين الطرفَين.

طلبات 5 للايطاليين
وجاءت في مقدمة هذه الطلبات الإيطالية وأبرزها، سجل المكالمات الكاملة لسكان ومترددي منطقة الدقي، حيث خطف ريجيني، والتي تضم نحو مليون مواطن مصري، إلّا أن الجانب المصري رفض بزعم مخالفة الطلب للدستور، بخلاف احتواء سجلات المكالمات المطلوبة على شخصيات أمنية، وعسكرية، وسياسية حساسة.

كما طلب الجانب الإيطالي تحديد هوية كافة المتواجدين في نطاق خطف ريجيني بمنطقة الدقي بناء على هواتفهم المحمولة، ثم استرجاع كافة مكالماتهم لاحتمالية إجراء مكالمات بين الخاطفين، وأن يكون وفد قضائي إيطالي حاضراً لإجراءات التحقيق معهم، إلا أن الجانب المصري رفض.

وطلب الجانب الإيطالي سجل مكالمات الأشخاص وبياناتهم بمنطقة العثور على جثة ريجيني، بالقرب من مكتب محاسبات في طريق مصر ـ الإسكندرية الصحراوي، بالإضافة إلى بيانات كاملة بالعربات بمختلف أنواعها التي مرّت بالمنطقة أو بالقرب منها، وذلك لتحديد هوية ناقل جثة الشاب الإيطالي القتيل إلى المنطقة التي ألقي فيها.

كما طلب الجانب الإيطالي الحصول على كاميرات المراقبة الخاصة بمنطقة الدقي بالكامل، وذلك لمحاولة استرجاع التسجيلات، إلا أن الجانب المصري رفض وأكّد أن هناك برنامجاً يمكن تصنيعه، باهظ التكاليف، من قبل شركة ألمانية، خاصاً باسترجاع التسجيلات.

وطلب الجانب الإيطالي من نظيره المصري بيانات وسجلّ مكالمات وتحرّكات الذين كانوا على تواصل مع ريجيني في الفترة الأخيرة السابقة لخطفه وقتله، وأماكن ترددهم، بناء على هواتفهم المحمولة.

وتضيف المصادر القضائية أنّ نسبة نجاح استرجاع الفيديوهات لا تتجاوز 50 في المائة، وذلك بناء على مخاطبات الشركة الألمانية، بعدما أكدت الشركة الأميركية المصنّعة للكاميرات استحالة استرجاعها. وطلبت من السلطات الإيطالية إرسال المبلغ لتصنيع البرنامج وتجربته في مصر أولاً، وتفريغ محتويات الكاميرات، ومن ثم إرسالها للجانب الإيطالي.

Facebook Comments