منح سحق تفتح زهور الربيع العربي في مصر وسوريا واليمن من قبل الديكتاتوريات العربية والعسكر الفاسدون 8 سنوات من الفساد والإهمال وإهمال متطلبات وحقوق الناس، فقررت الشعوب المستكينة منذ قمع ثورات 2011، بوقت قصير من انطلاقها أن تثور حتى سمع الصم والبكم في العراق صرخات الوطن بالقضاء على الفساد المستشري والمتلحف بالطائفية والمحاصصة يشترك في ذلك مع لبنان ليجمع "فساد وطائفية"، غير أن طبيعة البلدين تتداخل، فإصرار الطغمة السياسية على الإبقاء على رئيس الحكومة "لا استقالة أو إقالة" كان سببا في إصرار مقابل فلكل فعل رد فعل.

حجم العراق دفع بأقصى قوته لتغيير الوضع القائم الذي يستفيد منه كل الأغيار سوى العراقيين، فالأمس فقط حدثت اشتباكات دامية بمظاهرات العراق أسفرت عن 13 قتيلا وأكثر من 100 جريح والعدد قابل للتصاعد، بالبصرة وبغداد ليرفع أعداد شهداء الحرية إلى نحو 290 عراقيا، وتتحول جمعة اليوم بالعراق إلى جمعة غضب فتم إغلاق الشوارع من قبل القوات الأمنية وحرقت المليشيات الشيعية الموالية خيام الاعتصام، بعدما شهد العراق خميسا داميا، إذ قتلت قوات الأمن أربعة متظاهرين في أثناء فض اعتصام أمام مبنى محافظة البصرة، فيما قتل خامس خلال احتجاجات قرب ميناء أم القصر النفطي، فضلا عن ستة آخرين قرب جسر الشهداء وسط بغداد.

انطقهم الله

فلم تبق شريحة من العراقيين إلا خرجت تطالب بحقوقها وترفع صوتها حتى لو كانت من الصم والبكم، ليُنزع بذلك ما تبقى من شرعية زائفة جاءت بعادل عبدالمهدي رئيس الحكومة العراقية وزبانيته إلى السلطة، فيصر العراقيون على مطالبهم برحيل ركام من السياسيين أداروا البلاد في السنوات الـ16 الماضية، وفشلوا في النهوض بالعراق ذي الموارد الهائلة، أو على الأقل في إثبات ركائز الدولة.

ويشهد العراق منذ 25 أكتوبر الماضي، موجة احتجاجات متصاعدة مناهضة للحكومة، وهي الثانية من نوعها بعد أخرى انطلقت مطلع الشهر ذاته. وفي مظاهرة للصم والبكم التي انطلقت اليوم الجمعة حمل المشاركون لافتات مكتوب عليها "نحن لا نسمع لكننا سمعنا صوت الوطن حين نادى"، بعدما نزل العشرات منهم لوسط العاصمة بغداد، للمشاركة في الحراك الشعبي ضد الفساد والطبقة الحاكمة بالبلاد، في مشهد أثار مشاركة واسعة.

وتخللت الاحتجاجات إجمالا أعمال عنف واسعة ومواجهات بين المتظاهرين من جهة، وقوات الأمن ومسلحي فصائل شيعية (جحش) مقربة من إيران، فخلفت عشرات القتلى ومئات الجرحى.

تحليل المشهد وفق فورين بوليسي الامريكية أن أغلب المحتجين من الشيعة بمدن وبلدات جنوب ووسط البلاد، الأمر الذي يهدد وضع إيران كمدافع عن الشيعة. أما صحيفة واشنطن بوست، فأشارت إلى أن هذه الاحتجاجات هي الأوسع خلال عقود، وأنها تهدد بغداد وطهران معا، مضيفة أن شوارع بغداد ليست غريبة على صراعات السلطة، لكن هذه الحشود مختلفة هذه المرة، وأنها تمثل أكبر حركة شعبية في التاريخ الحديث للعراق، وقوامها جيل جديد نشأ في ظل الغزو الأميركي، وفي ظل سياسيين من بغداد وطهران وجدوا أنفسهم حاليا في موقف الدفاع عن سلطاتهم. وأشارت إلى لافتة مرفوعة عاليا في ميدان بغداد المركزي مكتوب عليها "إلى أجيال الستينيات والسبعينيات، نحن أشجع منكم"، في إشارة إلى أن هذه الاحتجاجات جديدة في كل شيء.

حراك مستمر

وبمشاركة الطلاب كأقوى الفصائل الشعبية انتفاضا وصحوة على مستوى العالم العربي تحديدا، يتواصل الحراك اللبناني اليوم وللأسبوع الرابع بحضور كبير للطلبة. ومع تحذيرات من أن الثورة تؤدي إلى إثارة النعرات الطائفية وعلى هذا يلعب أنصار الثورة المضادة العربية عندما يستفزون الطوائف ضد حزب الله اللبناني فيقابلهم اللبنانيون على السوشيال "نحن ثورة شعبية ..نحن الوحدة والأحرار .. نحن الحلم وانتو العار .. نحن السلم وإنتو النار .. انتو الحرب الأهلية ..انتو الرشاوى والواسطات .. انتو التابعين للسفارات .. انتو الطائف والنعرات .. نحن ثورة سلمية".

وعليه تتواصل اليوم الجمعة المظاهرات والاعتصامات وتزيد في الشيفت المسائي "ماتينا" باستعارة الحالات اللبنانية، احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية وللمطالبة بتغيير النظام السياسي في البلاد وتشكيل حكومة تكنوقراط، على غير ما يريد الساسة الفاسدون الذين يرون تكرار المشهد بشخوصه وكأن شيئا لم يكن، وكأنما غابت القيادات الرشيدة تماما عن طرح أنفسها. وكان لافتا أن لبنانيي المهجر، دعوا للإعتصام في أمستردام بهولندا الأحد عند ساحة دام، الساعة ١٢ ظهرا

ويتواصل في بيروت ومدن الشمال اللبناني تحت شعار "لبنان ينتفض" بشكل خاص اللاذقية وعكار وطرابلس اعتصام الطلاب لليوم الثاني أمام مبنى كلية التربية في الأونيسكو، رافعين شعارات ومطالب تنادي "بحياة كريمة ومستقبل أفضل لطلاب وشباب لبنان وتأمين الوظائف بعد التخرج، حتى مكافحة الفساد المستشري في البلاد".

وخرج طلاب المدارس والجامعات مسيرة انطلقت من ساحة السرايا الشهابية نحو سوق حاصبيا جنوبي للبنان، مرددين شعارات مؤيدة للحراك المدني وحاملين الأعلام اللبنانية.

وشهدت مناطق المتن الأعلى ومدينة عالية أمام مؤسسة كهرباء لبنان في المدينة، اعتصامات طلابية دعما لمطالب عمال المؤسسة، فضلا عن اعتصامات لطلبة فروع الجامعة اللبنانية.

وفي طرابلس شمال البلاد، تواصل الاحتجاجات أمام البنوك والدوائر الحكومية والمؤسسات العامة، مرددين هتافات تطالب بـ"إسقاط منظومة الفساد في البلد".

وفي ابتكار جديد للحراك الداخلي دعا نشطاء لبنانيون إلى فعالية "قرع الطناجر" وهي الأواني أو الحلل في الثامنة مساء اليوم الجمعة، معتبرين أن "الطناجر" الفارغة دليل الجوع والحرمان، وأن صوتها أكبر من الفساد المستشري في البلد الكبير بشعبه وأفكاره.

وفي حوار مع "الجزيرة" تحدث الصحفي والكاتب الفرنسي آلان جريش، عن الموجة الثانية من الربيع العربي في لبنان وغيرها.

فقال إن انتهاء الطائفية سيأخذ وقتا، والمطلب الأساسي للشعب اللبناني هو إنهاء الفساد، هناك جزء من المجتمع يريد الانتهاء من الطائفية، لكن لا توجد إمكانية لإنهاء الطائفية بقرار، ولست متأكدا إن كان هناك إجماع بين الشعب اللبناني على إنهائها، ويمكن أن تكون هذه مرحلة للانتقال من وضع طائفي إلى تغييرات مهمة في المجتمع اللبناني.

الكويت تلحق

ونظم المئات من المحتجين بالكويت بينهم الرئيس السابق لمجلس الأمة ونواب سابقون ونائب حالي، مساء الأربعاء، 6 نوفمبر، في ساحة الإرادة بالعاصمة مقابل مجلس الأمة (البرلمان)؛ للمطالبة بمكافحة الفساد ورحيل الحكومة والبرلمان. وهي الوقفة الأولى منذ موجة احتجاجات عام 2011، والتي انتهت باستقالة رئيس الحكومة حينها، ناصر المحمد الصباح؛ على خلفية ما عُرف آنذاك بـ"الإيداعات المليونية"، وهي أموال أودعت في حسابات نواب، وسط أحاديث عن عمليات "غسل أموال".

وأطلق النائب البرلماني السابق، صالح الملا، الدعوة للوقفة وشارك فيها رئيس مجلس الأمة السابق، أحمد السعدون، ونواب سابقون، والنائب الحالي، شعيب المويزري. وأشار الملا إلى أن "الناس وصلت إلى اليأس والإحباط من هذا الفساد المستشري، وكل كويتي متجرد من أي أجندة خاصة، ونريد أن يعود الكويت في الصدارة". وأوضح أن "العنوان الرئيسي هو التصدي للفساد ولمن يريد التجاوز على الدستور.. الدستور يُفرغ من محتواه وهذه الجموع هي الدرع الواقي للمحافظة على الدستور".

وردد المشاركون في الوقفة النشيد الوطني للكويت، وهتافات منها: "ارحل ارحل يا مرزوق (الغانم رئيس مجلس الأمة)"، و"كافي ظلم وكافي بوق (سرقة)". ويأتي الاحتجاج في وقت يشهد فيه العراق ولبنان، منذ أكتوبر الماضي، احتجاجات شعبية تطالب أيضًا بمكافحة الفساد ومحاسبة الفاسدين، ورحيل الطبقة الحاكمة.

Facebook Comments