مأزق حقيقي تواجهه قوات الانقلابي خليفة حفتر في ليبيا، بعد أن أطلق ثالث تهديد له بدخول طرابلس، وفشلت قواته واندحرت رغم استعانتها هذه المرة بقرابة 800 مرتزق روسي وآلاف المرتزقة من دارفور السودانية، ما دفعه للقدوم لمصر ولقاء السيسي للمرة الخامسة أملا في توريط السيسي في حرب مفتوحة في ليبيا مع قدوم القوات التركية المرتقب.

فمنذ إعلان تركيا أنها لن تسمح بإسقاط حكومة طرابلس وتكرار النموذج الانقلابي المصري في ليبيا، وهناك قلق مصري وإماراتي وغربي من انتقال نفوذ تركيا لإفريقيا، وخاصة ليبيا التي تنطلق منها الهجرة غير الشرعية التي تزعج الأوروبيين، ولهذا أعلنوا عن زيارات أوروبية لليبيا ومؤتمر لحل المشكلة، والجميع يحاول حسم الأمر عسكريًّا بدخول طرابلس أو تمييع القضية، قبل وصول القوات التركية وحسمها للأمر.

فالانقلابي خليفة حفتر يسعى من وراء زيارته إلى مصر ولقاء السيسي، طلب مزيد من الدعم بعد فشله في دخول طرابلس لمواجهة التدخل التركي، والأهم أنه يسعى إلى إقناع مصر بالتدخل عسكريًّا بقواتها بشكل مباشر، بدلا من الدعم العسكري وإرسال خبراء فقط.

وهناك توقعات بمحاولة السيسي وأبو ظبي توجيه المزيد من الضربات الجوية لدعم قوت حفتر والمرتزقة الروس والسودانيين قبل نزول القوات التركية وطائراتها، عقب تصديق برلمان تركيا يوم 2 يناير في جلسة طارئة.

إذ اتهم رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري، مصر بقيادة تحركات لتنفيذ انقلاب في بلاده، مؤكدا أن التطورات الأخيرة في طرابلس هي التي دفعت حكومته للجوء إلى تركيا “للاستعانة بها لمواجهة الفتنة التي تقودها الإمارات”، مؤكدا أن الهدف من تركيا هو إحداث التوازن في الميدان، لا أن تحارب بديلا عنا.

وقال رئيس المجلس الأعلى للدولة: “نرى انهزام محور الشر الذي قاده ابن زايد على مدى سنوات ضد الربيع العربي”.

وتابع: “نحن لا ندعو تركيا إلى أن تحارب نيابة عنا، توجهنا إلى تركيا بعدما استعان حفتر وعقيلة صالح بفرنسا وإيطاليا، إضافة إلى مصر والإمارات منذ عام 2014″، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن “روسيا إلى اليوم لا تعلن أنها تقاتل مع حفتر بل شركات روسية، وموسكو تعترف بحكومة الوفاق”.

سير المعارك 

صحيح أنَّ استعانة حفتر بقوات مرتزقة من روسيا وآخرين من دارفور، دفعت أبو ظبي رواتبهم، زادت الخسائر العسكرية لقوات حكومة الوفاق الوطني بسبب ضربات طائرات الإمارات والقناصة الروس، وساءت الأوضاع في طرابلس، إلا أن قوات الوفاق نجحت في نصب العديد من الكمائن لهذه القوات وقتل وأسر العشرات منهم، وشنت هجمات مضادة، ولا تزال الأراضي يجري تبادل السيطرة عليها دون القدرة على الدخول لقلب طرابلس.

بل إن تهديد قوات حفتر لمدينة مصراتة، التي تشكل عنصر قوة لجيش ليبيا الشرعي، بمهلة 3 أيام ثم 3 أيام أخرى انتهى للا شيء، وخرجت المدينة تتحدى حفتر الذي كلما فشل أرسل طائرات الإمارات ومصر لضرب مصراتة، وهدم المساكن للمدنيين لإرهابهم دون تحقيق أي مكاسب عسكرية حقيقية.

ويقاتل مرتزقة من شركة “فاغنر” الروسية في صفوف قوات حفتر، ويقومون بأدوار نوعية في هجمته الأخيرة لاقتحام العاصمة طرابلس مقر حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليا.

وأكدت حكومة الوفاق، في وقت سابق، أنها وثقت وجود ما بين 600 و800 مقاتل روسي في ليبيا. وفي العاشر من ديسمبر، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن استعداده لنشر قوات في ليبيا إذا طلبت “حكومة الوفاق الوطني”، المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس ذلك.

وكرّر هذا العرض خلال لقاءٍ جمعه في الخامس عشر من ديسمبر مع رئيس وزراء “حكومة الوفاق الوطني” فايز السراج في أنقرة- وهي الزيارة التي جاءت بعد أن عاود اللواء خليفة حفتر، الذي يقود القوات التي تطلق على نفسها اسم “الجيش الوطني الليبي” ويسعى إلى الحلول محل “حكومة الوفاق الوطني”، التقدم نحو طرابلس للاستحواذ عليها بالقوة.

وتحاول المعارضة التركية العلمانية عرقلة إرسال قوات، فيظل تصويت البرلمان 2 يناير على إرسال القوات، وزعم زعيم حزب الشعب الجمهوري العلماني (حزب أتاتورك) كمال كيليتشدار أوغلو، أن أردوغان “يسعى لإرضاء جماعة الإخوان المسلمين”، موضحا أن نواب حزبه “سيقفون ضد تمرير مذكرة إرسال قوات تركية إلى ليبيا”.

ووقّعت تركيا اتفاقيتين مثيرتين للجدل مع حكومة طرابلس خلال الشهر الماضي، وهما مذكرة تفاهم حول تزويد “حكومة الوفاق الوطني” بالأسلحة والتدريب والأفراد العسكريين، صادقت عليها طرابلس رسميا في 19 ديسمبر، واتفاقية بحرية في 28 نوفمبر لترسيم حدود المناطق الاقتصادية الحصرية في مياه البحر المتوسط التي تفصل بين البلدين. وأثارت هذه الخطوة الأخيرة احتجاجات من اليونان ومصر برغم أن هذه الاتفاقية حفظت مصالح مصر من الغاز الذي فرط فيه السيسي لقبرص!

ومنذ تصاعد المعارك أصبحت “حكومة الوفاق الوطني” الليبية تعتمد بشكل متزايد على أنقرة لأسباب عسكرية، لعدم وجود حلفاء آخرين على استعداد لتوفير أسلحة قادرة على مواجهة الطائرات بدون طيار المقدمة من الإمارات لجيش حفتر، ووصول المرتزقة الروس الذين دعموا هجمات حفتر ضد طرابلس.

تركيا تحسم الصراع 

أكملت تركيا استعداداتها ليس فقط للتدخل العسكري في ليبيا، وإنما لإنشاء قاعدة عسكرية لها في ليبيا، وقالت وسائل إعلام تركية إن أنقرة “أكملت استعداداتها لإنشاء قاعدة عسكرية لها في ليبيا، وهي بانتظار طلب بخصوص ذلك، من رئيس حكومة الوفاق فائز السراج”، مؤكدة أن هذه الخطوة من شأنها تغيير قواعد اللعبة في شرق البحر المتوسط.

وقالت صحيفة “خبر ترك” التركية، إن أنقرة “ستنشئ قاعدة عسكرية في طرابلس على غرار قطر، خصوصا مع تقديم رئيس حكومة الوفاق في ليبيا فائز السراج، طلبا رسميا لإرسال قوات تركية إلى طرابلس وسيعطي البرلمان التركي إشارة البدء بإرسال قوات في 2 يناير المقبل.

وقالت “خبر ترك”، إنه على الرغم من التطورات التي شهدتها البلاد في السنوات الماضية، إلا أن مذكرتي التفاهم مع تركيا قد تسهم في تغيير قواعد اللعبة في شرق البحر المتوسط. وذكرت أن “ليبيا أصبحت مثالا لساحة حرب بالوكالة بين الدول، وقد شهدت سلسلة من التطورات الشهر الماضي”.

من جانبها، قالت صحيفة “يني شفق” التركية، إن أنقرة “بدأت بالتجهيزات اللازمة لتقديم الدعم اللازم للحكومة الشرعية في ليبيا، بالتزامن مع هجمات خليفة حفتر على طرابلس”.

وأشارت الصحيفة، نقلا عن مصادر قالت إنها عسكرية، إلى أن الحكومة التركية “طلبت من القوات المسلحة تجهيز السفن والطائرات الحربية استعدادا لنقل القوات التركية إلى ليبيا”، مؤكدة أن عملية النقل إلى مدينة طرابلس بدأت، والسفن التي ستقوم بنقل الطائرات المسيرة والدبابات والقوات الخاصة ووحدات الكوماندوز التابعة لقيادة مجموعة الهجوم تحت الماء باتت جاهزة”.

وذكرت الصحيفة أن “طائرات الشحن والمروحيات في حالة تيقظ للإقلاع نحو مطار مصراتة، الخاضع لسيطرة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا”، لافتة إلى أن “التجهيزات التركية تتم على قدم وساق، وكأنه يوجد طلب رسمي من حكومة السراج”.

ويقول المحلل السياسي التركي طه عودة أوغلو، في تصريحات مع “سبوتنيك”، إنه بالفعل تمت المصادقة في البرلمان على مذكرتي التفاهم الأمنية والاقتصادية مع ليبيا، ولكن كانت هناك معارضة من قبل البعض مثل حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطية.

وصادق البرلمان التركي على مذكرة التفاهم المتعلقة بتحديد مناطق الصلاحية البحرية مع ليبيا، في 5 ديسمبر الجاري، فيما نشرت الجريدة الرسمية للدولة التركية، المذكرة في عددها الصادر يوم 7 من الشهر ذاته.

وأضاف عودة أوغلو، أن “عودة البيانات الرسمية تشير إلى أن هناك تجهيزات واستعدادات تركية قبل إقرار هذه الاتفاقية بإرسال قوات عسكرية إلى طرابلس، لأن أنقرة ترغب في التواجد العسكري بالمنطقة وللحفاظ على حكومة الوفاق التي تدعمها أنقرة بكل صراحة”.

وأوضح أن “الاتفاقية الأخيرة تعتبر فرصة كبيرة لأنقرة للحصول على مكاسب سياسية، وأن يكون لها موطئ قدم في ليبيا، خاصة بعد ضعف الدور التركي في ليبيا إثر سقوط القذافي، وللاستفادة على الصعيد الاقتصادي والسياسي والعسكري”.

سياسة تركيا في المنطقة

وتتركز سياسة أنقرة تجاه ليبيا وغاز البحر المتوسط على التواجد العسكري شرق البحر المتوسط، ودعم حكومة السراج كي لا تسقط ويتكرر السيناريو الانقلابي المصري في ليبيا وينهار ما تبقى من الربيع العربي، خصوصا في ظل انهيار العلاقات التركية- الإسرائيلية في عام 2010، والخلاف بين أردوغان والدول التي دعمت الانقلابات والثورة المضادة في مصر ودول عربية أخرى، وتحالف مصر وإسرائيل وقبرص واليونان ضد مصالح تركيا.

لذلك هناك قلق إسرائيلي من التبعات الجيواستراتيجية للاتفاق التركي الليبي، حيث واصلت مراكز ونخب إسرائيلية التحذير من التداعيات الجيواستراتيجية “الخطيرة” للاتفاق الذي وقعته كل من تركيا وحكومة الوفاق الليبية بشأن ترسيم الحدود البحرية والتعاون الأمني بينهما.

ودعا إسحاق ليفانون، الباحث في “مركز هرتسليا متعدد الاتجاهات”، والسفير الإسرائيلي الأسبق في مصر، الغرب والقوى الإقليمية، إلى تعزيز قوة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، بهدف المساعدة على إسقاط حكومة الوفاق الوطني في طرابلس “حتى يتسنى إبطال مفعول الاتفاق مع تركيا والتخلص من تداعياته الخطيرة”.

وفي مقال نشرته اليوم صحيفة “يسرائيل هيوم”، اعتبر ليفانون أن الاتفاق بين أنقرة وطرابلس يندرج في إطار “تصميم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على استعادة تركيا مكانتها التاريخية في المنطقة عبر توسيع نفوذها في المحيط الإقليمي”.

ولفت إلى أنه “سيكون من المتعذر على إسرائيل تطبيق الاتفاقات التي وقعتها مع الدول الأخرى بشأن التعاون في مجال تصدير الغاز الذي يتم استخراجه من الحقول في شرق حوض المتوسط”.

وقال أسا أوفير، الباحث في قسم الدراسات التركية في جامعة “بارإيلان”، إن ما يفاقم خطورة الاتفاق الذي وقعته طرابلس مع أنقرة حقيقة أنه “يتزامن مع تحرك تركي لتعزيز بناء القوة العسكرية لتمكينها من التمدد والتوسع، وهو ما يمثل تحديا كبيرا لإسرائيل”.

وفي مقال نشره موقع “ISRAEL DEFENSE”، اعتبر أوفير أن الخطوة التي أقدم عليها كل من الرئيس التركي ورئيس حكومة الوفاق الليبية فائز السراج “تكسر منظومة التوازنات وتحطم قواعد اللعبة” في المنطقة بشكل تام.

وأشار إلى أن تركيا تهدف من خلال توظيف الاتفاق مع ليبيا إلى إسدال الستار على أية إمكانية لتدشين أنبوب الغاز الذي تقرر بناؤه لنقل الغاز “الإسرائيلي” إلى أوروبا عبر المياه الاقتصادية لقبرص، والمعروف بـ”EastMed PIPELINE”، مشيرا إلى أن الاتفاق الأخير مع ليبيا “يمنح تركيا الحق في المحاجّة بأن المياه التي يفترض أن يمر بها هذا الأنبوب مياه تركية”.

وادعى أن الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية مع ليبيا يساعد تركيا على تطبيق عقيدة “الوطن الأزرق”، التي صاغها الأدميرال التركي جيم غوردنيز، وكشف عنها في 2006، وتقوم على وجوب أن تشمل المياه الاقتصادية التركية مساحات واسعة من البحر الأبيض المتوسط، والبحر الأسود، وبحر إيجه، بحيث تصل مساحة المياه التابعة لتركيا إلى 462,000 كيلومتر مربع، مبرزا أن أردوغان يتبنى عقيدة “الوطن الأزرق” لغوردنيز.

وأوضح أن تركيا بهدف تطبيق عقيدة “الوطن الأزرق” عمدت إلى “تعزيز سلاح البحرية بشكل كبير ومثير للإعجاب”، مشيرا إلى أن السفن المقاتلة التركية يتم إنتاجها محليا، وأن “تركيا باتت تبيع فرقاطات عسكرية لعدد من الدول، سيما باكستان وتركمانستان وماليزيا”.

وأشار إلى أن تركيا شرعت لأول مرة في بناء غواصات حربية، بعد أن كانت تعتمد على تلك المستوردة من ألمانيا، مشيرا إلى أن تركيا ستنجز بناء أول حاملة طائرات في نهاية 2020.

أما “مركز أبحاث الأمن القومي” الإسرائيلي فقد شدد على أن تل أبيب “لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي إزاء الاتفاق الليبي التركي”، مشيرا إلى أن الخارجية الإسرائيلية سارعت إلى التعبير عن دعمها موقف قبرص المعارض للاتفاق.

وفي تقدير موقف أعدته كل من ليندا شتراوس، سارة فوير وعوفر فنتور، أشار المركز إلى احتمال أن تقف إسرائيل موقف المتفرج في حال نشبت مواجهة بين حلفائها في المنطقة، سيما قبرص واليونان، من جهة، وتركيا من جهة أخرى.

ودعا المركز صناع القرار في تل أبيب إلى التوافق على آلية عمل لمواجهة أي “استفزاز تركي” على غرار قيام سلاح البحرية التركي بطرد سفينة إسرائيلية من المياه القبرصية.

Facebook Comments