اتسمت الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي جاءت مصر خلال السنوات الخمس التالية لتولى الجيش السلطة في يوليو/تموز 2013، بمظاهر خاصة أبرزها تركز تلك الاستثمارات في عدد قليل من الدول، حيث استحوذت إنجلترا وحدها على نسبة 42 % من مجمل تلك الاستثمارات.

وكان نصيب الولايات المتحدة 15 % وبلجيكا 10 % والإمارات 8 % والسعودية 3 %، لتستحوذ الدول الخمس على نسبة 78 % من إجمالي الاستثمارات المباشرة، والتي تختلف عن استثمارات الحافظة التي تتجه لشراء أدوات الدين المصري من أذون وسندات إلى جانب الأسهم بالبورصة المصرية بنسبة أقل من 10 % من أسهم الشركات المشتراه.

وبإضافة خمس دول أخرى هى: فرنسا وهولندا وألمانيا والكويت وقطر، يصل نصيب الدول العشر الأوائل نسبة 86 % من الإجمالي، لتتبقى نسبة 14 % لباقي دول العالم ما أسفر عن تدنى تلك الاستثمارات من قبل العديد من الدول، حتى أنها بلغت 30 مليون دولار فقط من ليبيا و18 مليون دولار من تونس، و5.5 مليون من السودان ونصف المليون دولار من أستونيا خلال خمس سنوات.

ويمكن تقسيم مجموعات الدول التي استثمرت بمصر استثمارا مباشرا، خلال السنوات الخمس المالية من عام 13/2014 وحتى عام 17/2018 المنتهى في آخر يونيو/حزيران الماضي، إلى أربعة مجموعات أولها دول الاتحاد الأوربي وبلغ نصيبها 60 % من إجمالي تلك الاستثمارات، والدول العربية بنسبة 16 % والولايات المتحدة بنسبة 15 % وباقي دول العالم 9 %.

أما من حيث نوعية تلك الاستثمارات فقد اتجه أكثر من 70 % منها الى مجال الطاقة للاستثمار في النفط والغاز الطبيعي، يليه قطاع الخدمات خاصة العقارات، بينما تدنى نصيب القطاع الإنتاجي خاصة الصناعة والزراعة، ما أدى الى عدم مساهمة تلك الاستثمارات الأجنبية بشكل واضح في زيادة إنتاج السلع.

وبالتالي ضعف تأثيرها على معدلات التضخم المرتفعة، وكذلك على مشكلة البطالة نظرا لتدنى فرص العمل التي توفرها مشروعات الطاقة، خاصة وأن جانبا منها يمثل استحواذا على مشروعات مصرية قائمة، أو شراء أسهم لشركات مصرية بالبورصة بنسبة 10 % من أسهم تلك الشركات أو أكثر.

وتذكر بيانات البنك المركزي المصري ثلاثة أرقام لتلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال السنوات الخمس، أولها رقم التدفقات الداخلة والبالغ 62.5 مليار دولار، ورقم الاستثمارات التي خرجت من مصر خلال تلك السنوات والبالغ 29.3 مليار دولار، والرقم الصافي بين الاستثمارات الداخلة والخارجة والبالغ 33 مليار دولار.

وهكذا يصل متوسط صافي الاستثمارات الأجنبية الواردة الى 6.6 مليار دولار سنويا خلال السنوات الخمس التالية لتولى الجيش السلطة، بينما كان ذلك الرقم أعلى كثيرا خلال فترة مبارك حيث تخطى 13 مليار دولار عام 2007/2008 وأكثر من 11 مليارا في العام السابق لذلك.

وفى تقليد يتنافى مع الشفافية يقوم البنك المركزي المصري باستعراض بيانات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الواردة من 50 دولة بشكل فصلى، بينما يكتفى بذكر الرقم الإجمالي لقيمة الاستثمارات الأجنبية التي خرجت من مصر والتي مثلت نسبة 47 % من الاستثمارات التي دخلت، وبلغ المتوسط السنوي لتلك الاستثمارات الخارجة 5.9 مليار دولار.

ومن هنا فإن استعراض قيمة الاستثمارات الأجنبية الواردة من الدول الخمسين، لا يعطى صورة حقيقية عن واقع استثمارات تلك الدول، فعندما تشير البيانات لتصدر إنجلترا بنحو 26 مليار دولار، فإنها لم تشر الى الاستثمارات البريطانية التي خرجت من مصر في تلك الفترة، مثل بنك باركليز وغيره للوصول إلى الرقم الصافي لاستثماراتها خلال تلك السنوات، وينطبق ذلك على باقي الدول.

ومن هنا فإن الأرقام المذكورة تشير إلى الاستثمارات الداخلة من دون تصفيتها من الاستثمارات الخارجة، ورغم ذلك يلاحظ تدنى تلك الاستثمارات الداخلة من قبل العديد من الدول، فدولة مثل الصين التي تم تبادل زيارات عالية المستوى معها عدة مرات، بلغت قيمة الاستثمارات الداخلة منها 483 مليون دولار فقط، أي بأقل من متوسط مئة مليون دولار سنويا.

ونفس الأمر للاستثمارات الواردة من كل من اليونان وقبرص التي تعددت اللقاءات العليا مع قياداتها، حيث كانت قيمة الاستثمارات الواردة من قبرص 58 مليون دولار ومن اليونان 55 مليون خلال السنوات الخمس، وكان رقم الاستثمارات الواردة من الهند 140 مليونا ومن كندا 74 مليونا، ومن أستراليا 44 مليونا ومن بولندا 13 مليونا والمجر 11 مليونا وتايوان 5 ملايين، ومن كل من البرتغال وبلغاريا مليونا دولار .

بينما نجد دولا ذات علاقة متوترة مع النظام المصري مثل قطر بلغت الاستثمارات الواردة منها 733 مليون دولار، لتحل في المركز العاشر بين دول العالم المرسلة للاستثمار لمصر، وكانت الواردة من تركيا 229 مليون دولار في المركز العشرين.

وتتعدد أسباب تدنى قيمة الاستثمارات المباشرة الواردة لمصر وأبرزها حالة الاضطراب السياسي والأمني، والتخوف من حدوث فوران نتيجة غياب الحريات وغلاء الأسعار المستمر، والذي مازالت به مراحل قادمة إتباعا لتعليمات صندوق النقد الدولي، كشرط للحصول على أقساط قرض الصندوق بشكل نصف سنوي.

ومن هنا لم تفلح الإجراءات القانونية المتمثلة في قانون جديد للاستثمار، وقانون جديد للتراخيص الصناعية وقانون للخدمة المدنية وقانون للإفلاس في تحسين بيئة الاستثمار، التي مازالت متخمة بصور البيروقراطية والفساد، وارتفاع تكلفة الاقتراض وصعوبته.

ومخاوف تراجع سعر صرف الجنيه المصري أمام الدولار الأمريكي خاصة بعد تداعيات مشكلة الأسواق الناشئة، وبلوغ قيمة مبيعات الأجانب من استثماراتهم في أدوات الدين المصري من أذون وسندات خزانة 9 مليارات دولار خلال نصف العام.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments