رغم استمرار وجود مرتزقة فاجنر الروس في المحيط الليبي من "بني وليد" جنوب طرابلس إلى الشرق والجنوب لإعادة التمركز، استخدمت موسكو نفس الأسلوب الإماراتي في توظيف دبلوماسية الكذب في الملف الليبي. فحذرت روسيا، الجمعة، من "تدهور الوضع في ليبيا التي مزقتها الحرب"، وزعمت المتحدثة باسم الخارجية الروسية لوكالة إنترفاكس أن "المساعدة الخارجية لأطراف الصراع غيرت توازن القوى على الأرض في ليبيا".

وادعت المسئولة الروسية أن "الوضع مستمر في التدهور ووقف إطلاق النار يتهاوى". وذلك على غرار دعوات لدول أخرى تتدخل في الملف الليبي لصالح الانقلاب العسكري والمذابح التي تنفذها مليشيات الانقلابي خليفة حفتر ومواقفها المضادة لمقررات الأمم المتحدة.

تركيا مقصود روسيا

ويتشابه تصريح موسكو الأخير مع مطلب روسي سابق بوقف التدخل العسكري الخارجي في ليبيا، بعد طلب السراج دعمًا تركيا في 20 ديسمبر الماضي، وأفاد مصدر في وزارة الخارجية الروسية، وقتئذ، بأن التدخل العسكري الخارجي في ليبيا لا يمكنه سوى تعقيد الوضع في البلاد.

وأضاف أن إمكانية استقدام جنود أتراك إلى ليبيا يعتبر مصدر قلق لروسيا، باعتبار أن هذه الخطوة ستثير ردود فعل من قبل دول الجوار، وهو "ما يثير الكثير من التساؤلات".

التدخل الإماراتي

وفي مايو الجاري، قالت الإمارات إنها تؤكد تمسّكها بالحل السياسي في ليبيا، وهي مستمرة من جانب آخر بإرسال المرتزقة لدعم حفتر من تشاد والسودان وسوريا وكوماندوز من بريطانيا وجنوب إفريقيا للوقوف أمام الجيش التركي الداعم للشرعية في ليبيا.

ففي 30 أبريل الماضي، زعمت دولة الإمارات تمسكها بالحل السياسي في ليبيا، وضرورة وقف إطلاق النار بشكل فوري وشامل.

وادّعت وزارة الخارجية والتعاون الدولي، في بيان أصدرته الجمعة، دعم دولة الإمارات للحل السياسي للأزمة الليبية عبر مسار مؤتمر برلين، داعية جميع الأطراف إلى الالتزام بالعملية السياسية تحت إشراف الأمم المتحدة.

واختلقت كذبة دبلوماسية بأن الحل السياسي هو "الحل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا، والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها"، نفتها سريعا في البيان نفسه بإشادتها بالحل العسكري، وذلك بقولها الإشادة "بما حققه الجيش الوطني الليبي من تصدٍ للعمليات الإرهابية، وسعيه الحثيث لتحقيق الاستقرار ومواجهة المليشيات المتطرفة والإرهابية في ليبيا". وهاجمت تركيا في بيانين متتاليين، ولكن تركيا فضحت مضمون البيانين.

وفي 20 يناير الماضي، زعم عبد الله بن زايد، وزير الخارجية، أن رسالة بلاده الدائمة للعالم "رسالة سلام وتنمية، وتدعم تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا الشقيقة القائم على عدم التدخل في شؤونها الداخلية ومساعدة الشعب الليبي الشقيق ودعم طموحاته المشروعة في ترسيخ دعائم دولته الوطنية وتحقيقه الوحدة والتنمية".

مصر واليونان

وفي 25 مايو الجاري، اتصل عبد الفتاح السيسي، برئيس الوزراء اليوناني كرياكوس ميتسوتاكيس، وزعما "رفض تدخل أطراف خارجية في الأزمة الليبية"، غير أنهما لم يوضحا المقصود بكلمة "الخارجية" وهما من المتورطين الخارجيين في الملف الليبي تنفيذا لأجندة الإمارات والطامعين في الثروات الليبية.

وزعم بيان متحدث السيسي أن "مصر واليونان اتفقتا على رفض تدخل أطراف خارجية في الأزمة الليبية، الأمر الذي يزيدها تعقيدا"!.

نفاق فرنسي

والأربعاء، حذرت عدة دول أوروبية على رأسها فرنسا من "سورنة" ليبيا، مدعية أن تركيا تضخ مقاتلين سوريين إلى ليبيا، متناغمة في ذلك مع الادعاءات الشبيهة في مصر واليونان والإمارات.

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان قد علق على التداخل الروسي والتركي في ليبيا أمام مجلس الشيوخ الفرنسي وجعلهما على قدم المساواة، وقال إن “استمرار هذا الوضع على بعد 200 كيلومتر من الساحل الأوروبي يمثل تهديدا للأمن الإقليمي وأمن أوروبا”.

وعلق خطار أبو دياب، المحلل السياسي والضيف الدائم على وسائل إعلام الثورة المضادة، بأنه "مع تصاعد التدخل الخارجي في الصراع الليبي تهتز الوحدة الليبية، وأمن الجوار، واستقرار شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، وبالطبع التوازنات البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط".

في حين أن التدخل الفرنسي في الشأن الليبي أثبتته تقارير أخيرة لصحف فرنسية، فضلا عن صحف واشنطن بوست ونيويورك تايمز في تقاريرهما.

تدخلات خارجية

وفي تقرير نشره موقع "دويتشه فيلا" الألماني، عن تقرير لمنظمة الأمم المتحدة، أثبت تدخل الدول التي أدانت التدخل الخارجي في ليبيا بتدخلها هي ذاتها بإرسال العتاد والسلاح والمقاتلين.

وكشف تقرير المنظمة الدولية مهمة سرية تتكون من قوات غربية تابعة لشركات خاصة مسيرة إماراتيا، انتقلت إلى ليبيا من العاصمة الأردنية نهاية يونيو 2019 تحت مسمى “بعثة علمية” كلفها الأردن رسميا بإجراء أبحاث علمية في ليبيا. لكن هذه البعثة ليست سوى مهمة عسكرية أوكلت إليها مهمة عرقلة سفن التموين التركية التي تزود قوات حكومة الوفاق بالمعدات العسكرية.

التقرير الأممي الجديد المتكون من ثمانين صفحة يتحدث عن أن أعضاء المهمة انتقلوا إلى بنغازي من عمان عن طريق طائرات شحن وتم تعريفهم على أنهم علماء، للتغطية على الأنشطة الحقيقية للمهمة.

ويضيف التقرير أن التخطيط لإرسال هذه المهمة الداعمة لحفتر تم من قبل شركات مركزها في الإمارات من بينها “لانكاستر 6” و”أوبوس كابيتال أسات”، وهذه الشركات دبرت ست طائرات مروحية من جنوب إفريقيا في يونيو 2019 انتقلت منها إلى بوتسوانا ومن هناك إلى بنغازي، لكن المهمة ألغيت وتحول أعضاؤها رسميا من “علماء” إلى عمال نفط.

ويأتي هذا التقرير بعد وقت قصير من صدور تقرير آخر لخبراء أممين يراقبون الحظر المفروض على شحن الأسلحة إلى ليبيا، يؤكد وجود مرتزقة من فاغنر الروسية ومقاتلين سوريين جاءوا من سوريا لدعم حفتر.

التقرير صدوره يتزامن مع تسجيل قوات الرجل القوي في ليبيا حفتر تراجعا على الأرض، وسط حديث عن خسائر كبيرة تكبدتها قواته التي تحاول منذ حوالي عام السيطرة على طرابلس.

ورغم كل هذا الدعم لم يحقق حفتر تقدما مهما في محاولاته المستميتة للسيطرة على طرابلس، وفي هذا السياق أعلنت مصادر رسمية ليبية أن 1500 مقاتل من فاغنر الروسية ومقاتلين سوريين انسحبوا من محاور القتال في جنوبي العاصمة طرابلس.

الاتفاق مع تركيا

ومع الانتصارات السريعة التي أعقبت الاتفاق الرسمي التركي مع حكومة الوفاق الوطني الليبية، في 27 نوفمبر الماضي، في مدينة إسطنبول بحضور الرئيس التركي، ورئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السراج، بمذكرتي تفاهم تنصان على تحديد مناطق النفوذ البحري بين الطرفين، وتعزيز التعاون الأمني العسكري بينهما.

ولقي هذا التطور معارضة من قبل الإمارات ومصر واليونان وقبرص. وقال أكار في تصريحات من مقر وزارة الدفاع نقلتها وكالة أنباء "الأناضول"، إن "التوازنات في ليبيا بدأت تتغير عقب الخدمات الاستشارية والتدريبات التي قدمها الجيش التركي لقوات حكومة السراج"، وذلك بعد سيطرة قوات الوفاق على قاعدة الوطية الجوية غربي البلاد.

Facebook Comments