في ذكرى الثورة التونسية، نشر موقع “الشارع السياسي” دراسة خلصت إلى أنه بعد أن استبشر أنصار الديمقراطية في العالم العربي بنتائج الانتخابات الأخيرة في تونس على مستوى، إلا أن رهانات الثورة المضادة- وبالتحديد في الإمارات والسعودية- تقوم على إفشال التجربة الديمقراطية في تونس، صاحبة الريادة في ثورات الربيع العربي.

وكشفت الدراسة عن دور مفضوح للدولتين في إفشال المسار الديمقراطي بتونس، سواء بوقف استثماراتهم في تونس، أو بتحريض الرئيس الراحل قايد السبسي للانقلاب على حركة النهضة، وهو ما رفضه في وقتها، إلا أن الإمارات تنوع وسائلها بالتلاعب في أوضاع الدول المناوئة وفق تغيرات الواقع وتبدلاته السياسية، كما هو حاصل الآن في تونس.

انتهازية بدعم مالي

وقالت الدراسة، التي جاءت تحت عنوان “فشل تمرير حكومة الجملي بتونس.. اختبار ديمقراطي أم انقلاب أبيض؟”، إن المقصود بالانقلاب الأبيض هو تيار يقود الثورة المضادة في تونس بدعم مالي خليجي.

معتبرا أنها أكبر انتهازية حزبية بين الأحزاب التونسية ضد حركة النهضة التونسية وحليفها تيار الكرامة، وبين تجربة كاملة واختبار صعب للديمقراطية التونسية، بعدما فشل الحبيب الجملي في نيل ثقة البرلمان التونسي، يوم 10 يناير الجاري، وأعقب إسقاط حكومة الجملي إعلان نبيل القروي، زعيم حزب قلب تونس، الفائز بالمركز الثاني في الانتخابات التشريعية (38 مقعدا)، والمتهم بالفساد وغسيل أموال إماراتية، عن تشكيل جبهة برلمانية تضم 93 نائبا، قال: إنها ستضم كلًّا من حزبه وحزب تحيا تونس (14 مقعدا) وكتلة الإصلاح الوطني (15 مقعدا) وكتلة المستقلين وغير المنتمين للأحزاب.

وقال “القروي”: إن إعلان هذه المبادرة جاء بالتنسيق بين حزبه وكتل أخرى مثل حزب تحيا تونس الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي يوسف الشاهد، وكتلة الإصلاح الوطني، زاعما أنه يستهدف توحيد صف العائلة الوسطية المشتتة وتقديم مبادرة موحدة للرئيس التونسي بشأن تشكيل الحكومة.

واعتبرت الدارسة أن تحديات مهمة في وجه الديمقراطية التونسية تأتي عقب دخول الرئيس قيس سعيّد، بالتفويض الشعبي الكبير الذي حققه في الانتخابات، في عرض حكومة من تشكيله بعد فشل النهضة في إثناء أنصار الثورة المضادة عن المبالغ التي تقاضاها بعضهم وقدرت بـ100 مليون دولار لكل نائب يسجل اعتراضه على حكومة النهضة.

أزمة النهضة

وقالت الدراسة، إن فشل تمرير حكومة الجملي حمل تداعيات كبيرة على المشهد السياسي في البلاد، وعلى حركة النهضة نفسها، وعلاقاتها الداخلية وقراراتها وخياراتها، كما على مؤتمرها المقبل، الذي يُفترض أن يُعقد خلال العام الحالي.

وعقب رفض منح الثقة لحكومة “الجملي”، أعربت “النهضة” في بيان، عن ثقتها برئيس البلاد قيس سعيّد، الذي سيجري مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية، لتكليف الشخصية الأقدر لتكوين حكومة.

وأبدت الحركة استعدادها للتفاعل الإيجابي مع “كل شخصية وطنية تتوافر فيها شروط النجاح، وتعكس تطلعات التونسيات والتونسيين، وتُجمع حولها حزاما سياسيا قويا.

واعتبر رئيس كتلة “النهضة” في البرلمان، نور الدين البحيري، في تدوينة على صفحته الرسمية على موقع “فيسبوك”، أن “أقلية من ضحايا حساباتهم الحزبية وشهواتهم الشخصية وارتباطاتهم الخارجية، دفعوا أحزابا لإسقاط مشروع حكومة سياسية، وأوقعوا أغلبية مجلس نواب الشعب في إسقاط حكومة الكفاءات المستقلة، ولعلهم يخططون لإسقاط حكومة الشخصية الأقدر”.

سلسلة أخطاء

وتوصّلت الدراسة إلى تقييم أدق وأشمل، على لسان القيادي في الحركة، العربي القاسمي، الذي عدد سلسلة الأخطاء التي تسببت في هذه النتيجة. وقال القاسمي، في تدوينة على صفحته الشخصية: إن “النهضة أخطأت حين قبلت المساومة على حقها الدستوري في رئاسة الحكومة، وأخطأ الجملي، بل ارتكب خطيئة عمره السياسية، حين خرج عن روح ونصّ التكليف، وتمرّد على مكلِّفه وسوّاه بغيره، وشرع في تشكيل حكومة كفاءات مستقلّة، بدل حكومة سياسية منفتحة على الكفاءات. وأخطأت النهضة، بل ارتكبت الخطيئة الكبرى، حين قبلت بهذا الانقلاب وحاولت مماشاته ولم تسحب التكليف مباشرة مهما كان الثمن، وأخطأ الجملي حين استعصى على الجهة المكلّفة، ولم يتراجع عن خياره، بل ولم يقبل بأيّ تعديل تطلبه النهضة رغم شبهات الفساد. أخطأ أكثر ولم يكن سياسيا بالمرّة، حين وعد بالاستجابة للتعديلات بعد المصادقة إن ثبتت تهمة فساد، فضرب مصداقيته مع فريقه قبل غيره في مقتل”. واتهم القاسمي أيضا، رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد، بـ”التآمر ولعب دور قذر والتنكر للنهضة التي كانت سنده الحقيقي الوحيد طيلة فترة حكمه”، معتبرا أن الأخير “سقط أخلاقيا وسياسيا، ووضع بنفسه فيتو النهضة عليه في أيّ خيار خارج خيارها”.

الجشع السياسي

ووجَّه القاسمي سهام نقده إلى الأمين العام المستقيل لـ”النهضة”، زياد العذاري، بإعلانه عدم التصويت لحكومة الجملي، معتبرا كذلك أن الأخير سقط أخلاقيا وسياسيا بدوره، كما توجه إلى من وصفهم بـ”الثورجيين”، الذين قال: إنهم “وضعوا كلّ جهدهم ومكرهم لسلب حقّ النهضة في رئاسة الحكومة والالتفاف عليه ومصادرته”، متهما إياهم بـ”الجشع السياسي وبالحقد الأعمى على النهضة”.

فيما حمّل “النهضويون” مسئولية ما حدث، تارةً إلى مجلس شورى الحركة، الذي فرض خيار الجملي على الجميع، على الرغم من عدم كون الأخير الشخصية الأولى التي كانت على رأس القائمة، وتارةً إلى رئيس الحركة راشد الغنوشي، بسبب ما يسمونه سوء إدارته للمفاوضات من جهته أخرى.

إلا أنه بحسب الدستور التونسي، فإن الرئيس مدعو لتشكيل حكومة قبل 15 مارس المقبل وتموضع أحزاب تساند فكره وتدفع إليه منذ البداية، وخصوصا “حركة الشعب” و”التيار الديمقراطي”، ومن خلفهما حزب “تحيا تونس” ورئيسه يوسف الشاهد. وإذا ما صدق هذا الائتلاف، فإن سعيّد ستكون بين يديه أدوات مهمة لتحقيق أفكاره السياسية، بما يؤدي ضمنيا إلى توسيع صلاحياته، وتضييقها بالتالي على “النهضة” والغنوشي.

لاعب رئيسي

وقالت الدراسة إنه رغم السجال الدائر بتونس، والذي يستهدفها بالأساس، فإن حركة النهضة– بحسب دوائر سياسية- ستظل حزبًا رئيسيًّا في المشهد السياسي، وأن توجهها في مفاوضات تشكيل الحكومة الجديدة مع الرئيس سيكون على أساس تشكيل حكومة سياسية مفتوحة على أحزاب عدة، وتكون حركة النهضة أحد مكوناتها.

وحذرت من أنه في حال تم التشكيل الفعلي لكتلة نداء تونس وأحزاب الثورة المضادة، الذين قد يمثلون أغلبية برلمانية في مواجهة النهضة وحلفائها، ما قد يعطل البرلمان التونسي ويزيد من تشرذم الحياة السياسية.

وأضافت أن مماطلة بعض القوى السياسية ذات التمثيل البرلماني المحدود وبعض المستقلين، وابتزازهم لحركة النهضة، والذي وضح خلال مفاوضات الجملي لتشكيل الحكومة، بمطالباتهم بوزارات سيادية وتمثيل أكبر من الوزراء لا يتناسب مع حجمهم النيابي، قد يدفع “النهضة” نحو مزيد من الانعزال، أو الارتماء في أحضان أحزاب الثورة المضادة، الذين قد يمنحوها ثقلهم النيابي لتمرير السياسات والقوانين، وفي كلا الحالتين ستخسر النهضة شعبيتها، ويتضعضع مسار الديمقراطية في تونس.

Facebook Comments