غاب الناخبون وحضر الراقصون أمام لجان انتخابات ما بات يعرف بمجلس الشيوخ بمصر، إلا أن الأمر لا يخلو من معجزات في زمن خلا من المعجزات وحلت فيه الكوارث، وبات من المعتاد رؤية كرامات العسكر في أيام التصويت، فالاعمى على أبواب اللجان يرتد إليه بصره، والأخرس وهو يوقع استمارة التصويت تنفك عقدة لسانه، والمشلول عند سماعه أغنية "تسلم الأيادي" ينتفض على ساقيه وتشتعل كل خلية في جسده رقصاً وتمايلاً وقفزاً بالأمتار في السماء.

وما زالت أجواء مسرحية مجلس الشيوخ تخيم على الشارع المصري، وسط تكريس مقدرات الدولة لخدمتها وحمايتها، من أجل ضمان إخراجها حسب السيناريو المعد لها مسبقا، بحسب مراقبين.

وفتحت صباح اليوم الثلاثاء مراكز الاقتراع أبوابها أما الناخبين المصريين للإدلاء بأصواتهم في انتخابات وصفت بالصورية، من أجل "شرعنة" ما يستجد من قرارات وكوارث وفرمانات وتنازلات يتخذها الفرعون السيسي.

مأتم ديمقراطي

مجلس الشيوخ جاء نتاج تعديلات دستورية أُقرت في أبريل 2019، تسمح ببقاء السفاح عبد الفتاح السيسي، في السلطة حتى 2023، وسط رفض واسع من المعارضة، وانتقادات واسعة للمجلس الجديد ومرشحيه؛ بسبب غياب وجوه سياسية مؤثرة.

ويتنافس في انتخابات مجلس الشيوخ قمامة الدولة العميقة وبقايا ما ترك آل مبارك وآل السادات وآل عبد الناصر، ورغم هذه الأجواء الانتخابية التي يروج لها اعلام العسكر، وتصويرها على أنها عرس وطني من خلال العبارات والشعارات التي تلمع المجلس الجديد، إلا أن نسبة الإقبال كانت ضعيفة جدا، وغلب عليها الطابع المسن رغبة في الـ 200 جنيه والوجبة وغياب شريحة الشباب.

وككل انتخابات العسكر، هناك مشهد بارز يطغى على الحدث الرئيسي، حيث عمد أنصار الانقلاب إلى التغطية على شح الإقبال الانتخابي بقلب الشوارع إلى ساحات للرقص، حسب وصف المراقبين، وإطلاق العنان في التعبير عن حبهم للسفيه السيسي بمشاهد "التأليه" كالسجود على الأرض وتقبيل صوره.

وفي أماكن مختلفة، رقصت مجموعة من النسوة على وقع الطبلة، ومن حولهن أشخاص يلوحون بالأعلام المصرية ويغنّون، وخارج لجان الاقتراع حملت عربات نقل مكبرات صوت وسمّاعات وشغّلت الأغاني الوطنية المؤيدة للدولة والجيش لحثّ الناخبين على المشاركة في التصويت.

وتم استغلال أطفال الشوارع بمناطق في محافظتي القاهرة والجيزة، عبر وضعهم على سيارات مكشوفة أثناء تجولها في الشوارع للدعوة إلى المشاركة في الانتخابات وهم يتراقصون على أنغام الأغاني.

ووصفت المواقع الإعلامية الانقلابية مشاهد الرقص بأنه نوع من أنواع الطقوس المصرية الخاصة التي ترافق الانتخابات، بينما وصفها آخرون بأنها طريقة من طرق "التحدي والمقاومة، وأن كل صوت وأغنية ورقصة هي بمثابة رصاصة في صدر العدو"، على حد زعمهم.

صورة كربونية

ويرى متابعون أن هذا المجلس سيكون صورة "كربونية" من برلمان الدم، الذي لم يعترض على أي قرار اتخذته حكومة الانقلاب أو اتفاقية وقعها السفيه السيسي، وأن "الشيوخ" سيكون على غراره؛ لترضية بعض المحسوبين على العسكر، ولن يكون له أي دور في الحياة السياسية، بل سيمثل عبئا على خزينة الدولة.

وبسخرية معتادة وتجاهل متعمد، استقبل المصريون انتخابات مجلس الشيوخ، الذي أعيد إحياؤه بعد تعديلات دستورية العام الماضي ليخلف مجلس الشورى الذي كان موجودا في السابق حتى تم حله في 2013، بعد الانقلاب العسكري الذي قاده السفيه السيسي عندما كان وزيرا للدفاع.

ويتكون مجلس الشيوخ من 300 عضو، يُعين جنرال الخراب 100 عضو منهم، في حين يترشح 100 بنظام القائمة المطلقة المغلقة، و100 الثالثة بنظام المقاعد الفردية.

والمثير أن السفيه السيسي ضمن قبل التصويت ثلثي المجلس؛ فبالإضافة إلى 100 مقعد يعين هو أصحابها، لم تتقدم سوى قائمة واحدة للمنافسة على 100 مقعد الثانية، وهي قائمة حزب "مستقبل وطن" الموالي للسيسي، بالاشتراك مع أحزاب أخرى، ووفقا للقانون يكفيها تصويت 5% من عدد الناخبين.

أما أكثر من 60 مليون مصري يحق لهم التصويت فسيشاركون في اختيار 100 مرشح فقط على المقاعد الفردية، وحتى تلك المقاعد الفردية تقول المعارضة إن الأجهزة الأمنية تدخلت مسبقا في اعتماد المرشحين المتنافسين عليها.

ملهومش دور!

وفي هذا السياق قال حساب باسم "الأستاذة": "كل دورهم إنهم يروحوا البنك كل شهر يقبضوا المرتب بدون أي دور يعملوه للبلد .. يعني حتي التعريص اللي بيعمله بتوع مجلس النواب مش هيبقي مطلوب منهم".

ويقول "Joker": "انتوا ليه بتقولوا السيسي خاين وباع والكلام ده السيسي اصلا يهودى وبيشتغل لصالح اخواله اليهود طبيعى يبيع نيل وجزر وابار غاز وبترول كل ده طبيعى لانه مش مصرى ده يهودى اسرائيلى #السيسي_باع_مصر".

حساب "Abo Mohammed" كتب: "انتخابات للمحسوبية اصل في شوية زعلانين من الدولة العميقة البائدة فالسيسي احب انه يجاملها فعمل لهم برلمان ميزانيته مليار بالسنة وتكلفة الانتخابات ٢.٥ مليار في دولة تعيش على الديون وعلى قوله احنا فقرا قوي اللهم اجعل فقره بين عينية ولا تبقى له اثر ولا نسل #السيسي_باع_مصر".

كما يرى محللون مصريون أن إنشاء مجلس الشيوخ يمثل قمة الاستهانة بإرادة المصريين الذين قاموا بإلغاء مجلس الشورى، وأن السفيه السيسي الذي يعيش منعما ومرفها في قصوره الرئاسية ويحكم مصر بالحديد والنار قد وجه إهانة جديدة للمصريين وفي أيديهم وحدهم أن يرفضوا الإهانة ويستعيدوا كرامتهم وحقوقهم المهدورة.

Facebook Comments