أثار إصرار السيسي على إجراء جنازة عسكرية لحسني مبارك، بالرغم من أنه طبقًا للقانون لا يستحق حدادًا رسميًّا ولا جنازة عسكرية لصدور حكم نهائي ضده في جريمة مخلّة بالشرف في قضية القصور الرئاسية، تساؤلات حول الهدف من وراء هذا الإصرار.

هل هو استباقٌ لما سيحدث معه هو لاحقًا وإصرارٌ على تأكيد تقاليد دولة العسكر وحماية بعضهم البعض، وأن مبارك واحد منهم، ولتذهب قرارات المحاكم للجحيم؟ أم أنه تقليد عسكري لحماية ورعاية قادة المؤسسة العسكرية بإقامة جنازة عسكرية له حضرها السيسي وقيادات الجيش والنظام، ليؤكد أن هذا هو الفرق طبعا بين المدني والعسكري وهكذا هي الجمهورية العسكرية؟!.

لهذا ركَّزت البيانات الرسمية الناعية لمبارك على الصفة العسكرية له، حيث أصدرت رئاسة الجمهورية الانقلابية بيانًا نعت فيه «ببالغ الحزن» الرئيس الأسبق، «لما قدمه لوطنه كأحد قادة وأبطال حرب أكتوبر المجيدة»، بحسب البيان، كما نعت القيادة العامة للقوات المسلحة مبارك، «ابنًا من أبناء القوات المسلحة وقائدًا من قادة حرب أكتوبر». كما نعى مجلسا النواب والوزراء مبارك في بيانين منفصلين، ونعت مشيخةُ الأزهر والكنيسة الأرثوذكسية حسني مبارك.

والغريب أن العسكر يتحجّجون بحرب أكتوبر كأنها هي ورقة التوت التي يدارون بها سوءاتهم لتكريم مبارك، وهم ليسوا فيها بصادقين، فقد سجنوا بطل الحرب الشاذلي، وتجاهلوا سير القادة الكبار الذين تحولوا إلى مجرد أسماء للشوارع، لذلك فمافيا الفساد التي أسسها مبارك هي التي تكرمه اليوم وليس حرب أكتوبر.

بل إن عقد جنازة عسكرية له يحضرها السيسي وقيادات الدولة، وعدد من رؤساء الدول العربية وهو مدان رسميا بحكم القضاء “الشامخ” باختلاس المال العام ومسجون بثلاث سنوات، يمثل إهانة للقضاء واستخفافًا بمؤسسات الدولة، ولكن منذ متى تم احترام القضاء المصري سواء في عهد مبارك أو الانقلاب؟.

ولهذا أكد المتحدث الإعلامي لجماعة “الإخوان المسلمين”، د. طلعت فهمي، معلقًا على وفاة الديكتاتور حسني مبارك في إشارة للسيسي وغيره: إن هؤلاء “لا يتعظون بعاقبة من سبقهم من الطغاة، وسيصيبهم قدرهم بغتة، وعند الله العادل يكون الحساب”.

وقال المستشار أحمد عبد الرحمن، النائب الأول الأسبق لرئيس محكمة النقض، في تصريحات صحفية: إن العرف يمنع إجراء جنازة عسكرية للرئيس الأسبق محمد حسني مبارك باعتباره مدانًا في قضية مخلة بالشرف، ولكن من الناحية القانونية لا يوجد قانون ينظم مسألة الجنازة العسكرية ويحدد شروطها، والجنازة العسكرية تتم بقرار من السلطة السياسية، وهو ما فعله السيسي.

فعلى الرغم من أنَّ الحكم الصادر من محكمة النقض بإدانة مبارك بجريمة الاستيلاء على ميزانية رئاسة الجمهورية، المخصصة للقصور الرئاسية، والتزوير في محررات رسمية، يعد دليلًا على ارتكابه جريمة مخلة بالشرف، إلا أنه باستثناء قانون مباشرة الحقوق السياسية الذي رتب أثرًا على تلك الإدانة، يتمثل في حرمانه من مباشرة حقوقه السياسية.

لماذا لم يفعلوها مع الرئيس مرسي؟

كانت مفارقة أن الشهيد محمد مرسي، الرئيس الذي جاءت به الثورة، يُشيّع في جنازة سرية، وأما حسني مبارك الذي أطاحت به الثورة، يُشيّع في جنازة عسكرية، والسيسي هو من أمر بالجنازتين بهدف إلغاء فترة مرسي من التاريخ وترسيخ فترة حكم العسكر فقط، ومع هذا كرم العالم كله الرئيس مرسي وصلى عليه الملايين في كل مساجد العالم.

وكانت مفارقة أخرى أن السيسي لم يحضر الصلاة على مبارك، ولكن حضر الجنازة فقط كما حضرها كل رموز نظام مبارك الذين قامت ضدهم ثورة يناير، وجرى إجراء جنازة عسكرية بحضور السيسي، ورجال السلطة، وإعلان الحداد، وتنكيس الأعلام، وإشراف الحرس الرئاسي على الجنازة، مع استنفار إعلامي، وطائرة تنقل الجثمان للمسجد ثم المقبرة، كلها علامات على حرص العسكر على الاحتفاء بوفاة أحدهم، حتى ولو كان رئيسا خلعته ثورة ومحكوم عليه بتهم مخلة بالشرف.

لهذا عقد مغردون مقارنات بين طريقة تعامل سلطات الانقلاب مع وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر، والرئيس الأسبق حسني مبارك المتهم بقتل 841 من الثوار.

فقد مارست سلطات السيسي كل أشكال التضييق على الرئيس الراحل محمد مرسي سواء داخل السجن أو حتى في وفاته، بينما سمحت للرئيس المخلوع بالعيش في منزله ووسط عائلته رغم مقاضاته في قضايا فساد، بينما جاء التعامل الرسمي مع وفاة مبارك بصورة رسمية فنعته الرئاسة المصرية والقوات المسلحة كأحد أبطال حرب عام 1973 مع إسرائيل، والتي كان خلالها قائدًا للقوات الجوية.

كما صدرت بيانات منفصلة عن حكومة الانقلاب ومجلس النواب والأزهر الشريف، والكنائس الثلاث، ونادي قضاة مصر، تنعي مبارك وتشيد بدوره في حرب أكتوبر.

واستقبل عبد الفتاح السيسي برقيات عزاء في وفاة مبارك، من ملك السعودية سلمان بن عبد العزيز وولي عهده، وسلطان عمان هيثم بن طارق، وملك البحرين حمد بن عيسى، وأمير الكويت الشيخ صباح الأحمد، والرئيس الإماراتي خليفة بن زايد.

كما نعت مبارك كل من الجامعة العربية، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، والرئيس السابق لحكومة لبنان سعد الحريري، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

أما التعامل الرسمي مع وفاة مرسي فجاء ظالما، حيث اعتقل السيسي الرئيس الراحل محمد مرسي عقب الانقلاب العسكري في الثالث من يوليو 2013، وظل مختفيًا لشهور في قواعد عسكرية، حتى ظهر في أولى جلسات محاكمته، وبقي خلال فترة سجنه في حبس انفرادي حتى توفي أثناء إحدى جلسات محاكمته في يونيو/حزيران 2019.

وقال فريق أممي معني بالاحتجاز التعسفي، إن مرسي احتُجز في ظروف لا يمكن وصفها إلا بأنها وحشية، وتعرض للكثير من الانتهاكات الحقوقية، وخلص إلى أن وفاته يمكن أن تصل إلى حد القتل التعسفي.

ومنعت سلطات الانقلاب إقامة جنازة للرئيس محمد مرسي، وأجبرت أسرته على دفنه في جنح الظلام تحت حراسة أمنية مشددة، لمنع مشاركة أي من أنصاره في تشييع جثمانه.

وفي وسائل الإعلام تم تجاهل خبر وفاته، وتم ذكر اسمه فقط من دون أن يسبقه أي لقب (رئيس)، وخرجت الصحف في اليوم التالي للوفاة بين متجاهلة وأخرى سبقت اسمه بالخائن في خبر صغير بالصفحات الداخلية وصفحة الحوادث!.

ورفضت سلطات الانقلاب تسليم الجثمان لأسرته، حيث تم تغسيله في مستشفى السجن بحضور 9 من أفراد عائلته، وتم أداء صلاة الجنازة عليه داخل السجن أيضا بحضور 10 أشخاص فقط في منتصف الليل، قبل أن يتوجه الجثمان فجرًا إلى المقابر وسط حراسة أمنية مشددة لمنع مشاركة أي من أنصاره في تشييع الجثمان.

كما رفضت طلبًا بدفنه بمقابر أسرته في قرية العدوة بمحافظة الشرقية تنفيذًا لوصية الرئيس الراحل، بينما سمحت بدفن مبارك في مقبرته التي تصل إلى ألف متر.

كيف استقبلت إسرائيل وفاة مبارك؟

نتنياهو عبر– في فيديو- عن “حزني العميق على رحيل الرئيس مبارك الذي كان صديقي وزعيما قاد شعبه نحو تحقيق السلام والأمن. التقيت به مرات عديدة وأخذت انطباعا شديدا عن التزامه بهذا السلام. نواصل المضي قدما على هذا الطريق المشترك. أتقدم بالتعازي إلى السيسي وإلى أسرة مبارك وإلى الشعب المصري”.

لهذا توقع الصحفي الصهيوني أوري بريطمان أن يشارك نتنياهو في تشييع جنازة مبارك بسبب حفاوته به، وهو ما لم يحدث لظروف أمنية.

أيضا بعث الرئيس الصهيوني ريفلين برسالة خطية إلى عبد الفتاح السيسي، عبر فيها باسم الشعب الإسرائيلي وباسمه شخصيًّا عن خالص التعازي لأسرة مبارك ولأبناء الشعب المصري بالعربية: “رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.. إنا لله وإنا إليه راجعون”.

وقال المعلق الصهيوني تسفي برئيل: “يعد مبارك مؤسسة الجمهورية الملكية في مصر، وظل رمزا لسياسات القمع والطغيان، لكن عبد الفتاح السيسي تفوق عليه كثيرا في هذه السياسات، وبشكل عام تلقت وسائل الإعلام الإسرائيلية نبأ وفاة الرئيس المخلوع مبارك، بإفراد تغطية واسعة بشأنه، واصفة إياه بالرئيس الصديق لإسرائيل والرجل الذي حافظ على السلام معها.

Facebook Comments