عبرت الذكري الخامسة لثورة 25 يناير ذاكرة المصريين،وهي الثورة الثانية في ترتيب سجل ثورات الربيع العربي والتي اندلعت بعد أيام من انتهاء ثورة الياسمين التي أطاحت بنظام السيسي التونسي زين العابدين بن علي.

 

5 سنوات مرت على تلك الثورة التي مازال المصريون يختلفون حولها، منهم من يؤيدها ويعتبرها علامة فارقة في تاريخ مصر، فقد أطاحت بنظام استمر في موقعه 30عاما متصلة، وكان يسعى لتوريت الحكم، ومنهم من يراها مؤامرة ويؤيد الانقلاب العسكري الذي أعاد مصر للوراء وترك الحدود وتفرغ لقتال جماعة الإخوان المسلمين.

 

وفي هذا السياق نشرت مجلة " دير شبيجل " الالمانية، تقريرا مؤخرا، تحت عنوان "الذكرى الخامسة للثورة :لا حرية ولا أمن تزايد عدم الرضا عن السيسي عبد الفتاح السيسى"، جاء فيه :"مرت خمس سنوات على الثورة ومازال كثير من المصريين ينتابهم الريبه تجاه عبد الفتاح السيسى . إن النظام العسكرى أشد وحشية من أى وقت مضى ، لانه لم يفى بأى من وعوده بالاستقرار وبمستقبل أفضل للبلاد".

 

وإلى التقرير:

 

 "فى الذكرى الخامسة للثورة تم اخلاء ميدان التحرير فى قلب القاهرة وفرض أقصى درجات التأمين, وتنظيم دوريات من رجال الشرطة والجيش . وإقامة حواجز على الشوارع الجانبيه بالمدرعات.ليس هناك مايذكر بالخيام ولا بالرسومات الجدارية التى كانت تملا الشوارع . وقد أعلن وزير الاوقاف أن الخروج على النظام  " مخالف للشريعة ويدفع بالبلاد إلى العنف ".

 

مضيفاً:" فى الذكرى السنويه للثورة لم يعد مرغوب فى المتظاهرين وأكثر من ذلك . يقوم النظام بتفتيش المنازل والمؤسسات الصحفية والمكتبات واعتقال كل من يعبترونه من النشطاء . وقد تجمع بضعة الاف شخص فقط فى ميدان التحرير فى المظاهرة الوحيدة التى حصلت على موافقة, وجميعهم من أنصار عبد الفتاح السيسى ، كانوا يحملون الاعلام ويهتفون " الجيش والشعب ايد واحدة " .

 

وتابع التقرير:"هذه العبارة التى كان يرددها المتظاهرون قبل خمس سنوات عندما انحاز الجيش إلى المتظاهرين ضد حسنى مبارك . إنها نفس العبارة التى رددها المعارضون للسيسي الاسلامى المنتخب محمد مرسى قبل عامين ونصف ,الذى أطاح به الجيش وتولى السيسى السلطة, واحتفل به المصريين وانتشرت صور السيسي فى كل مكان,على لافتات الدعاية وعلى أغلفة الحلوى والسيارات وحتى على الملابس الداخلية . إنه البطل ورجل الجيش القوى الذى انقذ البلاد . فبعد الانقلاب على الثورات العربية ، وبعد الفوضى ، والحكم المأساوى للاخوان المسلمين وعد المصريين بما يطمحون اليه : الامن وتوفير فرص عمل" .

 

وأوضح التقرير:"ظهر السيسي فى ذكرى الثورة على شاشة التليفزيون وتحدث إلى الشعب قائلا " نحن نبنى سويا دولة مدنية حديثة تحافظ على قيم الديقراطيه والحرية " . واذا كان المصريون يهللون له الا أن هذه العبارة أثارت سخرية الكثيرين . لان نشوة الابتهاج بالسيسى قد انتهت والحكومة فى ورطة وكذلك البلاد" .

 

وقالت دير شبيجل :"فى بداية الامر كانت المساعدات كثيرة الاانها تراجعت حاليا بشكل كبير طبقا لبيانات معهد واشنطن – وهو مركز ابحاث شئون الشرق الاوسط . جدير بالذكر أن نسبة المشاركة فى الانتخابات البرلمانية التى عقدت مؤخرا كانت 25بالمائة, الامر الذى يعد بمثابة لطمة على وجة رئيس الدولة .وكان المذيع التليفزيونى عمر اديب قد قال مؤخرا " إن مصر لن تموت اذا مشيت، هناك أبناء كثيرون على استعداد لخدمه البلد ." موجها حديثه للسيسي " لقد أدرك الشعب أنه تخلى عن حريته ولم يحصل مقابل ذلك على الامن ولاعلى انتعاش اقتصادى " كما كتب الصحفى حسام بهجت. وكان السيسى قد حصل قبل عام على تفويض مطلق لفعل كل مامن شأنه ارساء الهدوء والاستقرار للبلاد . والان بدأ الناس يتساءلون هل يمكن ألا يفى السيسى بوعوده .

 

إفلاس العسكر

 

وأضافت :" يقع السيسي تحت ضغط هائل, حيث ينتظر منه 90 مليون مصرى تحقيق السلام والحرية والتقدم ، ولم يتحقق أى منهم ولو بشكل نسبى. هناك ركود اقتصادى ، حوالى 40بالمائه من الشباب بلاعمل واكثر من ربع عدد المصريين يعيشون تحت خط الفقر حيث يبلغ دخل الفرد منهم 40يورو فى الشهر . إن أغنى بلد فى العالم العربى من حيث عدد السكان مفلسة . الاأنها لم تعلن افلاسها حتى الان بفضل مساعدات دول الخليج وحدها, فقد قدمت دولا مثل السعودية والامارات والكويت لمصر 38 مليار دولار فى صورة قروض وتوريد مواد خام ومساعدات عاجلة.

 

وتابع تقرير المجلة:"لم يتمكن السيسى من حل المشكلة الامنية أيضا . فقد أعلنت الدولة الاسلاميه تكوين ولاية فى سيناء ، ويقوم الارهابيون  بتفجير قنابل وبعمليات استشهاديه . وفى نهاية شهر اكتوبر فجرت الدولة الاسلامية طائرة الركاب الروسية ومنذ ذلك الحين انهارت السياحه" . 

 

وأضاف:"يدير السيسى الامور بسياسة الهروب ، ويقوم بتعيين المسؤلين الذين يسيطرون على الوضع . فقد أدعى وزير خارجيته أن الوضع الامنى تحسن بشكل واضح . وفى نفس الوقت يقدم على مشروعات عملاقه مشكوك فى جدواها الاقتصاديه مثل تفريعة قناه السويس وبناء عاصمة جديدة وسط الصحراء على أمل تحسن الوضع الحالى المزرى . إن مشاعر الخوف لدى  تبدو جلية من خلال سياسته القمعية" .

 

وتابع: "إن الوضع الحالى هو الاسوأ فى تاريخ مصر الحديث " كما ذكر المحامى الحقوقى جمال عيد . إنه ليس عوده إلى عهد مبارك بل إن " القمع أشد ". يمارس النظام كل مظاهر الديكتاتوريه العسكرية الوحشية ، التى لاتعرف سوى العنف . وفى نفس الوقت لايرغب المصريون فى ثورة جديدة .فقد أنهكتهم الفوضى لكن السيسى لايثق فى شعبه ويحكم بقوانين استثنائيه بلد فى حالة طوارئ" .

غابة من القوانين

 

وقالت "دير شبيجل": ومن جانبه أصدر السيسى عدد كبير من القوانين تحت ستار محاربة الارهاب – والتى من شأنها الحد من الحقوق المدنيه ، وحرية التجمع وحريه الصحافه. فمن الممكن أن يتعرض الصحفيون للعقوبة إذا خالفت تقاريرهم الاعلامية البيانات الرسمية . حتى البرلمان الجديد يشير من خلال القوانين إلى أنه ليس هناك معارضة . وقد تمت ملائمة قانون الانتخابات بحيث لايدخل المجلس سوى الاعضاء الموالين للنظام .

 

وتابعت: " يوضع الناقدين الصحفيين فى قائمة سوداء ، ويمنعون من الكتابة فى وسائل الاعلام المصرية ." كما يقول جمال عيد . " ويوجد أيضا قائمه سوداء للناشطين ويمنعون من الظهور فى وسائل الاعلام " . وكان مقدم برامج معروف قد انتقد الحكومة واصفا اياها بالكفر. ليس هناك دولة اعتقلت عدد من الصحفيين العام الماضى أكثر من مصر بخلاف الصين .

 

واوضحت:" قبل خمسة أعوام تمكن المصريون من الخروج الى الشوارع ضد مبارك . وكان هناك قتلى واعتقالات . ولكن منذ مجزرة رابعة ,التى قتل فيها اكثر من 650 اسلامى خلال شهر اغسطس عام 2013 ، يتحتم على أى مشارك فى مظاهرة بدون تصريح أن يعرف أن معارضته للنظام يمكن أن تكلفه حياته- كما ذكر ستيفان رول – وهو خبير فى الشئون المصرية بالمعهد الالمانى للشئون السياسية والامنيه" .

 

تقدر منظمة هيومان رايتس ووتش عدد المعتقلين السياسين منذ تولى السيسى السلطه بأكثر من 40 ألف معتقل ، معظمهم ينتمون لجماعه الاخوان المسلمين ، التى أعلنها النظام جماعه ارهابية . كما أنه يتعقب ويلقى القبض على المعارضه العلمانيه والمدونين وفنانين ونشطاء فى الحركة الديقراطية .

 

اضطهاد المعارضة

 

وقد انتقد المحامى جمال عيد الازدواجية فى المعايير لدى القضاء : حيث يتعامل مع رجال مبارك بلطف ، فبالرغم من القضايا المقامة ضدهم يسمح لهم بالتنقل بحريه تامة, بينما يضطهد باقى المتهمين. علاوة على ذلك تتواتر الانباء حول حالات تعذيب و أوضاع لا انسانية فى السجون . ويروى بعض المعتقلين الذين تم اطلاق سراحهم, انه تم تعذيبهم بالعصى الكهربائية, وبالتعليق, وبالتحرش الجنسى . وجدير بالذكر أن هناك بعض الشباب يختفون قصريا ، حيث يتم اختطافهم من جانب قوات الامن واعتقالهم فى سجون سرية لاجبارهم على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها ومحاكمتهم أمام محاكم عسكريه . هناك مئات من مثل هذه الحالات أصبحت معروفه. بعض المختفين لم يظهروا مرة أخرى وبعضهم ظهرت جثتهم . فى العام الماضى قتل 267 مصرى على أيدى جهاز الامن .

 

إن القمع وعدم الامن والازمة الاقتصادية ونظام لايمكن التكهن برد فعله أدى إلى تحول المؤيدين أنفسهم ، ومن بينهم أعضاء من المعارضه العلمانيه وبصفه خاصة رجال الاعمال . ومن النماذج التى اثارت الانتباه إلقاء القبض على رجل الاعمال الثرى صلاح دياب خلال شهر نوفمبر بتهمة حيازة سلاح . وقد اصيب عالم رجال الاعمال بالذهول بسبب القبض عليه بطريقة مهينه. فقد اقتحمت وحدات مكافحه الارهاب حجرة نومه ليلا ، والقت القبض عليه ووضعت الكلابشات فى أيدى ابنه أيضا, ثم نشرت الصور فى وسائل الاعلام .

" إن هذه الواقعه تذكرنا بزوار الفجر فى عهد عبد الناصر عندما كان يتم القبض على الاشخاص من بيوتهم فى الفجر "  كما ذكر ايريك تريجر من معهد واشنطن . وقد اعتاد النظام على القاء القبض على خصومه فقط بمثل هذه الطريقه . لقد اضرت الواقعه بالاقتصاد وادت إلى عدم الثقه فى  بشكل متزايد ويخشى بعض الخبراء من هروب الاستثمارات من مصر أو حتى الحد منها .

 

اغتيال السيسي

 

إذا كان هناك خطر يهدد السيسى فمن المحتمل أن يكون من الداخل . فقد تحملت شبكة من العسكريين ورجال الاعمال المرتبطين بهم تصعيد السيسى وهم يطالبون الان بمردود مساندتهم له : من خلال تأمين مصالحهم الخاصه فى مصر التى من المفترض أن تتمتع بالامن والازدهار . وهناك أنباء حول وجود توترات بين  وبعض قادة الجيش . 

 

يعد الجيش اكبر قوة فاعلة فى الدولة . إنه يسيطر على 30بالمائه من الاقتصاد القومى . إنها نسبه تقديريه فقط لانه لايفلت أى شئ من بين أيدى الجهاز السرى . إن قوته لاتعتمد فقط على المصادر الاقتصادية أو القوة العسكرية المطلقة ولكن أيضا على هيمنته على الحياة السياسية . فلايمكن اتخاذ أى قرار مهم دون موافقة جنرالات الجيش . 

 

لم يتمكن الثوار من الاطاحه بمبارك عام 2011 إلا بمساعدة جنرالات الجيش .وما كان يراه الرأى العام ثورة ناجحة ، كان وراء الكواليس نتيجه الصراع على السلطة بين  الاسبق والقادة العسكريين, الذين كانوا يعارضون محاولات مبارك لتوريث ابنه جمال .

 

حكم الجيش البلاد بعد الاطاحه بمبارك حتى تم انتخاب  مرسى ثم قام بعزل مرسى من منصبه فى يوليو عام 2013. وسحب قواته مرة اخرى من الشوارع ، لنشر الرعب وعدم الامان فى البلاد الامر الذى أدى إلى فوز السيسى . رجل الجيش ووزير الدفاع السابق .

 

السيسي يخشى العسكر

 

بيد أن السيسى قد أغضب حاليا بعض القادة العسكريين الاقوياء . فقد أحاط نفسه بدائرة ضيقة جدا من القادة والمستشارين وزرع بذلك عدم التقه بين أجزاء الجيش . وطبقا لتحليل معهد واشنطن يشعر الجنرالات بالقلق, نظرا لسوء أداء الحكومة والوضع الامنى السئ ، وكذلك لوقوع حوادث مثل التى وقعت منذ عدة أشهر عندما قتل سائحين مكسيكيين بطريق الخطأ ، حيث أعتبرهم أحد رجال الجيش من الارهابين وقصفهم مما أدى إلى وفاتهم .

 

على الرغم من ذلك النقد إلا أنه ليس هناك مايهدد استقرار نظام السيسى على الاقل فى الوقت الحالى, كما ذكر خبير الشرق الاوسط شادى

حميد من معهد بروكنجز ." إن السيسى يحترم امتيازات العسكريين, لذلك لاتوجد أى مظاهر لوجود انقلاب ". انه لايعتقد أن " نظامه الذى يعتمد على القمع " سوف يظل إلى الابد ، ولكن سيستمر لوقت طويل. ربما أيضا لان مصر اليوم أصبحت ديكتاتورية عسكرية بنسبه 100% على عكس عهد مبارك . إلا أنهما يشتركان فى كراهية الاخوان المسلمين بصفه خاصة . اضافة إلى ذلك خوف الشعب من السجن والتعذيب وكذلك تفتيت المعارضة التى لم تقدم أى بدائل سياسية . 

 

لم يكن المجتمع الدولى هو فقط من أيد السيسى . فقد دعمته دول الخليج ماليا وسياسيا . أما أمريكا والاتحاد الاوروبى واسرائيل فلديهم مصالح فى استمرار نطام السيسى لذلك غضوا الطرف عن الاستقرار المزعوم فى مسألة حقوق الانسان .

ومن جانبه ذكر المحامى جمال عيد قائلا: " اننى امل من ألمانيا إذا لم تدعم الديمقراطيه فعلى الاقل تتوقف عن تأييد هذا الديكتاتور" .

 

Facebook Comments