“من قدَّم السبت يلقى الأحد قدّامه وخادم الناس يلاقي الناس خدامه”.. مثلٌ شهيرٌ من بين أمثلة المصريين العرجاء التي راجت في زمن العسكر، أما من قدّم السبت فهو المستشار حمادة الصاوي، الذي قفز قفزة واسعة متخطيًّا من هم أكبر منه سنًّا وأقدمية في القضاء، ليجد نفسه في النهاية مستحقًا لخدماته الإجرامية أن يفي له صبيان تل أبيب بالأحد، ويعين في منصب النائب العام خلفًا للمستشار نبيل صادق، الذي طاف به الشوق وتعشّم في البقاء مدة أخرى.

وأصدر جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، اليوم الخميس، قرارًا بتعيين المستشار حمادة الصاوي نائبًا عامًّا جديدًا في حكومة الانقلاب، خلفًا للمستشار نبيل صادق، الأمر الذي أثار تذمرًا بين خدام العسكر من القضاة، وعلى رأسهم النائب العام المساعد، المستشار مصطفى سليمان، الذي انتابته نوبة من الغضب والحزن، وتقدم بطلب لإنهاء عمله بالنيابة العامة، والعودة إلى عمله الأصلي كقاض بمحكمة استئناف القاهرة؛ اعتراضا على اختيار “حمادة” لشغل منصب النائب العام.

خدمات حمادة

وتولَّى “حمادة” العديد من القضايا التي شغلت الرأي العام وأثارت جدلًا واسعًا، ففي أغسطس 2014، أجرى معاينة لدار مناسبات مسجد رابعة العدوية، بصفته رئيسًا بمحكمة استئناف القاهرة، وعضو اليسار بدائرة محكمة جنايات القاهرة.

وقبل ست سنوات من اختيار السفيه السيسي لـ”حمادة”، توجَّه عشرات الآلاف من المتظاهرين المؤيدين لشرعية الرئيس الشهيد محمد مرسي إلى ميدان رابعة العدوية، تمسكًا بالشرعية ورفضًا لانزلاق الجيش في الحياة السياسية، واستباقًا لمظاهرات دبّرتها المخابرات الحربية بقيادة تمرد.

في ميداني رابعة العدوية والنهضة، تظاهر هؤلاء واعتصموا ونصبوا الخيام، وقالوا إن اعتصامهم سلمي، لكنهم لم يسلموا من الآلة الإعلامية المؤيدة للانقلاب، التي لم تنفك ليل نهار عن التحريض عليهم ونهش أعراضهم، فجرَّدتهم من وطنيتهم ونعتتهم بأبشع الصفات.

وتحولت التظاهرة إلى اعتصام، ونفَّذ وزير الدفاع حينها السفيه السيسي انقلابًا عسكريًّا أزاح الحكم المدني الوليد، ثم أخد الاعتصام يكبر واستمر 6 أسابيع، ووقعت مذبحتان راح ضحيتهما عشرات المصريين، ثم كان “الأربعاء الأسود” الذي أصبح فيه الميدان ساحة لاستباحة الدماء.

لم تكد شمس ذلك اليوم تغرب حتى بدأت الأهوال، كأن الزمن توقف هناك، فلا العدالة تحققت، ولا مطالبات المنظمات الحقوقية الدولية بإنصاف الضحايا وجدت صدى لها، وسط ما يعتبره أنصار الشرعية تواطؤًا دوليًّا وإقليميًّا.

سيئة السمعة

وفي خدمة أخرى ضمن السبت الذي قدّمه “حمادة” للعسكر، قرر استدعاء رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات السابق، المستشار هشام جنينة، للتحقيق معه على خلفية بلاغ وزير العدل السابق، أحمد الزند، بزعم إدلائه بتصريحات الغرض منها “الإساءة لجميع مؤسسات الدولة والتشكيك فى نزاهتها”.

وأثناء توليه رئاسة أكبر جهاز رقابي في مصر، كشف جنينة عن الكثير من وقائع الفساد في أجهزة الدولة، قُدرت بنحو 600 مليار جنيه خلال ثلاثة أعوام فقط، ما دفع السيسي إلى إصدار تشريع يسمح له بعزل رؤساء الهيئات المستقلة والأجهزة الرقابية، وأقرّه مجلس النواب، الموالي له، فور انعقاده في يناير 2016.

وفي 28 مارس 2016، أعفى السيسي جنينة من منصبه، وعين بدلا منه رئيس نيابة أمن الدولة العليا (سيئة السمعة)، المستشار هشام بدوي، وهو ما تلاه صدور قرار قضائي بمنع جنينة من السفر إلى الخارج، بعد التحقيق معه على خلفية بلاغات كيدية قُدمت ضده “على خلفية تصريحاته عن تضخم حجم الفساد داخل وزارات وهيئات وجهات سيادية”.

وكشف جنينة عن أن رئيس أركان الجيش الأسبق، الفريق سامي عنان، أخبره بأن هناك حقائق كثيرة مخفية عن الرأي العام، سواء حول ما حدث قبل ثورة المصريين في عام 2011 أو بعدها، والتي تُغير كثيرا من صورة أشخاص كثيرين في السلطة، واحتفاظه بوثائق وأدلة مع شخصيات غير عسكرية خارج مصر عن ملفات فساد تدين قيادات بارزة، حالية وسابقة، في القوات المسلحة، وتلويحه بإظهارها في حال المساس به.

تفجيرات العصابة!

أما الموقف الثالث الأبرز ضمن مواقف يوم “السبت” الذي قدّمه “حمادة” للعسكر، عندما كان له دور بارز فى التحقيق بواقعة تفجير الكنيسة البطرسية في ديسمبر 2016، حيث كان يشغل منصب المحامي العام الأول لنيابة استئناف القاهرة، وانتقل على رأس فريق إلى موقع الحادث لإجراء المعاينة اللازمة للكاتدرائية والمناطق المجاورة لمسرح الحادث، والتحقيق الفوري للتوصل إلى كيفية ارتكابه.

وأطلق مغردون عددًا الهاشتاجات حملت الغضب والتشكيك في روايات العسكر عن انفجار الكنيسة البطرسية، منها #جنازه_شهداء_الكنيسه، و#رأيك_في_اللي_بيحصل، و#محمود_شفيق_محمد_مصطفى، وهو اسم الشاب الذي قال السفيه السيسي إنه منفذ العملية.

وحمّل مراقبون وقتها سلطات الانقلاب مسئولية الانفجار، ورأى المراقبون أن قوات الأمن لم تقم بواجبها في حماية الكنيسة، مشيرين إلى فشل الإجراءات الأمنية، ومحاولة عصابة صبيان تل أبيب تشتيت الانتباه عن الكوارث الاقتصادية التي ترزح مصر تحت وطأتها.

وكان ملفتًا تغيُّر رواية سلطات الانقلاب فجأة عن سبب التفجير من حقيبة متفجرات وضعتها امرأة داخل الكنيسة، إلى انتحاري يرتدي حزامًا ناسفًا فجّر نفسه في جموع المصلين في القسم المخصص للنساء خلال قداس الأحد، والكلام للسفيه السيسي شخصيًّا.

فالمتهم المزعوم محمود شفيق محمد مصطفى، الذي تقول الرواية إن جسده تشظى بعد التفجير، كان معتقلا عام 2014، ولا يُعرف هل ظل الشاب معتقلا منذ ذلك الحين أم أخلي سبيله، رغم اتهامه بالإرهاب، وفي الحالتين ثمة أسئلة محيرة ردم عليها “حمادة” ودفنها في السرداب، ولن يُفرج عنها حتى يوم القيامة.

Facebook Comments