لا ريب أن موت العلماء خطب جلل ورزية عظيمة وبلاء كبير إذ الأشخاص كلما كان دورهم عظيمًا وأثرهم كبيرًا كانت المصيبة بفقدهم أشد.

فالعلماء لا يعطون الناس شيئًا من المال، ومن حطام الدنيا، وإنما يعلمونهم العلم، لذلك كانوا كباراً، فعيشهم ليس لأنفسهم فقط، وإنما للناس لتعليمهم وإرشادهم إلى الحق، فهم كما وصفهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: “يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه وكم من ضال تائه قد هدوه” فمن عاش لنفسه عاش صغيرًا ومات صغيرًا، ومن عاش لغيره عاش كبيرًا ومات كبيرًا.

وهكذا كان الشيخ فوزي السعيد، الذي ظل يجوب بين بساتين القلوب بتربيته الحقيقية لهذه القلوب ومعرفته الوثيقة بحدود دينه، وفهمه الشامل لمعاني الدين فلم يداهن ظالم ولم يقبل الضيم من دينه من أجل راحته رغم كبر سنه وتقدمه في العمر فكان مصيره الاعتقال سنين عداد.

نهاية الرحلة

بعد صراع مع الطغيان، ومع الألم والمرض، صعدت روح المجاهد الصابر المحتسب الشيخ فوزي السعيد إلى بارئها صباح اليوم الأحد 8 ديسمبر 201. عن عمر ناهز 74 عاما، بعدما ظل مقعدا في بيته كإقامة جبرية من الانقلاب العسكري والمرض، حيث شيعت جنازته من مسجد حسن الشربتلي بالتجمع الخامس في القاهرة الجديدة.

من هو؟

ولد فوزي محمد السعيد سيد أحمد، بقرية عرب الرمل مركز قويسنا بمحافظة المنوفية بجمهورية مصر العربية، عام 1945م، واهتم والده بتعليمه حتى تخرج في كلية الهندسة قسم كهرباء جامعة القاهرة، متزوج وله بنتان وولد اسمه أيمن، وكان يقطن في حي الظاهر بالقاهرة آخر شارع مسجد التوحيد، وهو المسجد الذي ارتبط اسم الشيخ به؛ حيث ظل مسجد التوحيد الموجود بشارع رمسيس طوال سنوات عديدة “كعبة” يطوف حولها كثير من طلاب العلم الذين يريدون أن يتعلموا دين الله عز وجل على يدي عالمهم الشيخ فوزي السعيد.

شرع الشيخ فوزي السعيد في إكمال مسجد التوحيد بمجهود أهل الخير، الذين لا علاقة لهم بالدولة، وظل يخطب فيه، ويقصده عشرات الألوف من كافة محافظات مصر؛ لأداء صلاة الجمعة، والاستماع إلى الدروس الأسبوعية.

كما أن المسجد كان ملجأ للفقراء وكبار السن، ومستوصفًا طبيًا لمحدودي الدخل، لكن الدولة كان لها قرار آخر؛ إذ قامت بتأميم المسجد وإلحاقه إلى وزارة الأوقاف، ومن ثم فقد تم تشريد عشرات الأسر، التي كانت تكفلها المشاريع الخيرية لهذا على مدار عقدين من الزمان.

شيخ في وجه الطغاة

منذ أن التحق الشيخ فوزي السعيد بركب الحركة الاسلامية وهو حرب على كل حاكم ظالم، حيث سخر لسانه ومنبره في كشف الحقائق، ولم تقتصر دروسه على الوعظ والإرشاد فحسب بل كانت تبصرة للناس على ما يحاك لدينهم من مخططات يقوم بها الحكام العرب حتى عبر عن ذلك الأستاذ محمد جلال القصاص بقوله: “فوزي السعيد أو مسجد التوحيد قصة غيَّرت في مجرى التاريخ الفكري (الدعوي) في مصر، شاء من شاء وأبى من أبى. ولن يمحوها إرهاب الدولة لكل من انتسب لمسجد التوحيد أو (فوزي السعيد). أو تسلط بعض المغرضين الحاقدين”.

ويزيد: لقد كان الشيخ مهندسا يعمل طول يومه، وربّ أسرة، ومريضا يكاد يقتله السكري وضغط الدم المرتفع، فأي همة هذه؟ وأي نفس هذه التي بين جنبي هذا الشيخ؟.

لم يتحمل مبارك قوة الشيخ وحجته فحرك قواته للقبض على الشيخ فوزي والشيخ نشأت أحمد، إضافة إلى 94 متهما، في القضية رقم 24 لسنة 2001 جنايات عسكرية المعروفة إعلاميًا بـ”بتنظيم الوعد” بتهمة أنهم كانوا يحضون الناس على التبرع لإخوانهم في فلسطين إبان الانتفاضة الثانية، وأصدرت الحكم في 9/ 9/ 2002 بسجن 51 متهمًا، وبراءة 43 منهم الشيخ فوزي السعيد، إلا أن وزارة الداخلية أمرت باعتقال “السعيد”. وعرضت سلطات مبارك على “السعيد” الخروج مقابل الاعتذار فرفض، وقال لهم: “لن أعتذر وأعدموني كما أعدمتم سيد قطب”.

وحينما تحركت جموع الشباب إبان ثورة 25 يناير كان الشيخ فوزي شابا مثلهم، فانضم للثوار في التحرير في يناير، ثم شارك في تظاهرات محمد محمود، ودعا كل القوى السياسية للتضامن مع ثواره ضد قمع قوات الداخلية والجيش، وهاجم المجلس العسكري، ثم زلزل أركان منبر مسجد التوحيد مؤيدا للثورة السورية ضد بغي بشار الأسد وجماعته.

مع الرئيس

وحينما بدأت انتخابات الرئاسة المصرية خالف جموع السلفيين بدعمه للرئيس محمد مرسي وطالب الشعب بانتخابه، وبعدما فاز ظل مناصرا له حتى وقع الانقلاب العسكري، فكان الشيخ فوزي من أوائل ضحاياه لمواقفه المنددة بالانقلاب على الرئيس الشرعي، فكان جزاؤه الحبس في سجن ليمان طره، بعدما قبضت عليه قوات أمن الانقلاب من منزله وهو مريض يوم 5 يوليو 2014م وظل في السجن يعاني الأمراض مع الإهمال الواضح في علاجه، وضاعف من همه وفاة ابنته التي كانت سنده، ولم يسمح العسكر للشيخ بتوديع ابنته ورفض خروجه من السجن، ومع ذلك كان مثالا للصبر والقوة، حيث تقبل الخبر وسط الزيارة فكان جلدا حتى لا يفسد الزيارة على إخوانه الذين ينتظرون هذه الزيارة بلهفه، ولم يعرف بالخبر إلا القليل، وحينما عاد لزنزانته أفصح عن الأمر.

لقد كان الشيخ عامل قوة وسط الشباب المعتقلين معه في سجن ليمان طرة، وكان جل همه تحميس الشباب على حفظ كتاب الله فكان يوقع على إجازة كل من يختم القرآن، وعلى الرغم من مرضه، إلا أنه حرص على خطبة الجمعة لغرس المفاهيم الصحيحة لمعنى الابتلاء والصبر عليه، مما كان لها أثرها في رفع الروح المعنوية لدى المعتقلين.

ظل الشيخ في السجن حتى تم تداول خبر إخلاء سبيل الشيخ ورفاقه في القضية رقم 473 لـسنة 2014م في أكتوبر 2015م إلا أن النيابة استأنفت وقبل استئنافها ليظل الشيخ في السجن حتى خرج في أواخر مارس من عام 2016م بعد تدهور صحته مع وضعه تحت التدابير الاحترازية.

Facebook Comments