احتاج كل من زعيم الانقلاب عبدالفتاح السيسي والرئيس الفرنسي الأرعن إيمانويل ماكرون كل منهما للآخر، في وقت عصيب يمر فيه كلاهما بأزمات مركبة؛ فالسيسي بعد هزيمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة أمام خصمه الديمقراطي جو بايدن، يحتاج إلى راعٍ جديد في ظل توجهات بايدن وتعهداته والتي ستكون في كل الأحوال أقل في دعمها للنظام العسكري في مصر من ترامب الذي وصف السيسي بدكتاتوره المفضل. وبالتالي فإن السيسي يسعى لتكوين صداقات متينة بعدد من قادة الدول الغربية الكبرى علهم يساندونه في الفترة المقبلة التي ستوجه فيها سهام النقد الأمريكي لدكتاتور ترامب المفضل في عدد من الملفات أبرزها الملف الحقوقي.
كما أن ماكرون احتاج إلى السيسي في وقت عصيب، في ظل أزمة الرسوم المسيئة ومقاطعة الشعوب الإسلامية للبضائع والمنتجات الفرنسية بعد أن تسببت معالجة ماكرون الخاطئة للأزمة في تفاقمها لا حلها؛ وبالتالي فإن ماكرون أيضا يحتاج إلى السيسي في مسعاه ومخططاته الرامية للحد من الانتشار الإسلامي في أوروبا عامة وفرنسا على وجه الخصوص.
زيارة السيسي إذا في هذا التوقيت العصيب مثلت في حد ذاتها دعما وانحيازا سافرا للموقف الفرنسي المسيء للإسلام ورسوله العظيم محمد صلى الله عليه وسلم. ولم يكتف السيسي بالصمت بل دعم المواقف الفرنسية وحرض حكومتها المتطرفة على مزيد من الحصار للمساجد بدعوى الحرب ضد الإرهاب وخص بالذكر جماعة الإخوان المسلمين، فالسيسي وماكرون كلاهما يتجاهل أن الجماعة هي الممثل الشرعي الحقيقي للشعب المصري وهي التنظيم الشعبي الوحيد الذي فاز بثقة الشعب التي جرى التعبير عنها بنزاهة في أعقاب ثورة 25 يناير، بينما السيسي هو من سطا على الحكم بانقلاب عسكري دموي وارتكب عشرات المذابح لتكريس نظامه الدموي الذي يجد في باريس وعدد من العوصم الغربية الأخرى خير داعم لفاشيته ودكتاتوريته.
دعم باعتقال رجال الأعمال

ويمكن اعتبار اعتقال رجل الأعمال صفوان ثابت، رئيس مجلس إدارة شركة "جهينة" أكبر منتج للألبان في مصر والشرق الأوسط، دعما غير مباشر لفرنسا؛ إذا إن ذلك سوف يفضي تلقائيا إلى تراجع أسهم "جهينة" لحساب منتجات الآلبان الفرنسية "دانون" التي تحظى بحماية كبرى من نظام الانقلاب في مصر، بخلاف دعم شركات الجيش للألبان.
وحتى في الجانب الحقوقي، فظني أن عملية احتجاز أعضاء منظمة "المبادرة المصرية" الثلاثة، ثم الإفرج عنهم قبل زيارة السيسي لباريس بساعات هي مجرد مسرحية مفتعلة من جانب أجهزة السيسي الأمنية حتى تمنح ماكرون شيئا يمكن أن يدافع به عن موقفه بفرش السجاد الأحمر لأحد أكبر طغاة العالم. والتصريحات التي أدلى بها ماكرون في مؤتمره الصحفي مع السيسي، هي مجرد تأكيد جديد لحقيقة معروفة، وهي أن حقوق الإنسان في العالم ليست من ضمن أولويات الدول الغربية الكبرى، فأولوياتها ترتبط بمصالحها الاقتصادية والسياسية، وهي حاليا تتلخص في أربع أولويات في الشرق الأوسط ،بحسب المحلل السياسي فراس أبو هلال": الأولى: الحفاظ على استمرار صفقات السلاح المربحة مع دول المنطقة ومنها مصر واستمرار تدفق الطاقة من غاز ونفط، الثانية: محاربة "الإرهاب" وهي الكلمة المشفرة التي يقصد بها الإسلاميون، سواء من كان منهم يتبنى أيدولوجيا "السلفية الجهادية" أو الحركات الإسلامية السياسية التي تنبذ العنف وتعلن إيمانها بالديمقراطية. الثالثة: منع الهجرة غير القانونية إلى أوروبا، والرابعة: إدامة حالة التفوق الاستراتيجي لدولة الاحتلال الصهيوني. تلك هي إذن أولويات الحكومات الغربية في الشرق الأوسط، وهي تتحقق لها مع أنظمة استبدادية تحكم بالقوة وتستند إلى شرعية الأمن أكثر من الأنظمة الديمقراطية التي ستعمل وفق مصالح شعوبها وتطلعات ناخبيها.

حقوق الإنسان ليست في الحسبان

معنى ذلك أن حقوق الإنسان ليست فقط خارج اهتمامات الحكومات الغربية، بل إنها أيضا ليست في صالح هذه الحكومات، لأن الحكم الديمقراطي الذي يحترم حقوق الإنسان يعني تمثيل الشعوب والعمل على تحقيق مصالحها هي، وتلك مصالح ترى النخب الحاكمة في الغرب أنها تتناقض مع مصالحها؛ والبرهان على ذلك أنه عندما اغتيل الصحفي جمال خاشقي من جانب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بطريقة وحشية تفوق جرائم العصور الوسطى، قال ترامب بشكل واضح إنه لن يفرط بصفقات السلاح مع السعودية وبتعاون واشنطن مع الرياض لمواجهة طهران رغم اعترافه ببشاعة الجريمة، "فالحي أبقى من الميت" عند الحكومات الغربية.

ماكرون نفسه كان أكثر وقاحة في تعليقاته على اغتيال خاشقجي، فبعد ديباجات الإدانة والتنديد، وشعارات الحرية وحقوق الإنسان، أكد أن المطالبة بالتخلي عن صفقات السلاح مع "زبائن" فرنسا الأغنياء هي سذاجة. هكذا ببساطة تتحول الدول العربية إلى زبائن، وتتحول عاصمة "الأنوار" إلى تاجر شنطة! أما الدول الأخرى الغربية القليلة التي أعلنت تجميد صفقات السلاح مع السعودية، فقد عادت لاستئنافها بعد هدوء موجة التنديد، أو أنها ترتب الآن لإعادتها كما كانت في السابق.
خلاصة الأمر، أن بعض المكاسب التي يمكن أن تتحقق في الملف الحقوقي لا ينبغي أن تضللنا عن الحقيقة المرة بأن الغرب هو أكبر صانع وداعم للطغاة العرب، وأن الرهان على الغرب هو رهان خاسر في كل الأحوال، وإن كان ذلك لا يمنع مطلقا من ممارسة الضغوط في الملف الحقوقي والتعريف بحجم الانتهاكات الرهيب لحقوق الإنسان في مصر، حتى إشعار آخر. 

Facebook Comments