كتب- رانيا قناوي:

 

رؤية جديدة يسعى إليها أنظمة السعودية ومصر والإمارات، في ظل الحملة التي تقودها لتغريب الشعوب السنية عن إرثها التاريخي والأخلاقي، في محاولة لتبديل هذا الإرث بنموذج جديد باسم الحداثة لا يعتمد سوى على نشر الحرية الجنسية، والاختلاط، ولا عزاء للتطور التكنولوجي والصناعي، وتحسين مستوى معيشة الفرد والمجتمع في الوطن العربي.

 

دول تسعى للانهيار

 

وفي هذا الإطار، يقول جيمس دورسي، الباحث بمعهد راجاراتنام للدراسات الدولية، إن إعلان ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مؤخرا، رفضه للفكر الديني المؤسس للمملكة، يبدو وكأنه قد خرج من فم نظيره الإماراتي، ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، في الوقت الذي اتخذ ابن سلمان عدة خطوات لتقليص تأثير المؤسسة الدينية في المملكة، والحد من قوانينها الأخلاقية الصارمة، من خلال السماح بقيادة المرأة للسيارة والسماح بحفلات الموسيقى والأفلام والرقص.

 

وأضاف دورسي خلال مقاله بصحيفة "هافينجتون بوست" اليوم الاثنين، أن دراسة استقصائية غير منشورة، عن تطلعات 100 من الذكور السعوديين الذين يبلغون من العمر 20 عاما، أظهرت المشاكل التي من المرجح أن يواجهها بن سلمان وراء المعارضة من المحافظين، من أجل تخفيف التفسير "المتشدد" من المملكة للإسلام. ويريد الرجال حدوث التغيير الاجتماعي، لكنهم يتراجعون عندما يدركون أن له عواقب على نسائهم.

 

وقال دورسي إن نحو 50% من الذين شملهم الاستطلاع إنهم يريدون الحصول على المتعة، ومواعدة الفتيات، والتمتع بحفلات مختلطة بين الجنسين، واللبس بحرية، والقدرة على قيادة السيارات السريعة. وقال السيد «عبدول» إن قضايا العنف السياسي والعنصرية والمصالح الدولية أو التراجع عن الحرب السعودية في اليمن المجاورة لم ترد في إجاباتهم.

 

سياسة القنافذ

 

فيما قال الكاتب البحريني سعيد الشهابي، بأن التصريح الذي أدلى به ولي العهد، محمد بن سلمان، الأسبوع الماضي بأن المملكة ستعود إلى مرحلة «ما قبل التطرف» يمثل أحد أمرين: أما ان يكون تصريحا من اجل تهدئة خواطر الحلفاء والرأي العام الذي يتهم نظامه بترويج ثقافة التطرف والتكفير في العالم، أو أن وراءه توجها جادا للخروج من المرحلة التي استمرت 40 عاما وفرت للسعودية نفوذا دينيا واسعا في اغلب البلدان الإسلامية.

 

وأضاف أن السعودية التي تدير العديد من الجمعيات الخيرية الكبرى التي تمول التعليم الإسلامي في أنحاء العالم، بما في ذلك بريطانيا، وأنفقت ما لا يقل عن 67 مليار جنيه استرليني (87 مليار دولار) على هذه البرامج خلال الخمسين عاما الماضية، موضحا أن الدولة ذات المشروع السياسي او الايديولوجي العالمي تختلف عن الدولة القطرية التي تنتهي اطماعها عند حدودها وتؤسس سياساتها ضمن ما يحمي تلك الحدود.

 

ودلل على ذلك بأن لدى إيران مشروع ايديولوجي يمثله ما يسمى «الإسلام السياسي» الهادف لاقامة منظومة سياسية مؤسسة على الإسلام. وقد وفر لها ذلك نفوذا في مناطق واسعة من العالم. وفي مقابلها توسع النفوذ السعودي بعد أن وفرت له الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات وسيلة لترويج المذهب الوهابي في بلدان العالم الإسلامي.

 

وأكد الشهابي أن الدول التي تنكفيء على الذات يتراجع نفوذها الإقليمي والدولي، على عكس الدولة المعنية بنشر أيديولوجية واضحة ذات أبعاد تتجاوز حدود القطر. وكلما كانت هذه الأيديولوجية أممية تلاشت الحدود الجغرافية امام تمددها، قائلا: "فمصر عبد الناصر كان لديها المشروع القومي العربي الذي تناغمت معه قطاعات واسعة من العرب، لكن مصر بعد عبد الناصر تلاشى نفوذها كثيرا، خصوصا بعد ان وقعت اتفاق السلام مع اسرائيل قبل قرابة اربعين عاما. وأصبحت هذه الدولة العربية الكبرى تحت رحمة الدعم المالي الاماراتي والسعودي بشكل خاص.

 

وأشار إلى أن مصر وصلت للمستوى الذي أصبح حكامها مستعدين للتخلي عن اراض مصرية مثل جزيرتي تيران وصنافير للسعودية في مقابل الدعم المالي للعسكر، بعد أن كانت مصر حاملة لواء تحرير فلسطين، ودخلت حروبا عديدة ضد الاحتلال، الامر الذي جعلها قبلة لعشاق الحرية عقودا.

 

وأكد أن مصر اليوم لم تعد مؤثرة حتى على الدول المحيطة بها مثل ليبيا والسودان، السبب افتقادها لمشروع ايديولوجي أو سياسي بعد أن قرر عسكرها التخلي عن مشروع التحول الديمقراطي وفرض استبداد عسكري غير مسبوق، منبها على أن الايديولوجيا ضرورة لتوسيع النفوذ والتمدد. لأنها تؤثر على العقول وتصنع تيارات بشرية تحملها وتسعى لتفعيلها على ارض الواقع. وغيابها يحاصر اي مشروع سياسي توسعي لدى الدولة.

 

وقال إنه بالرغم من أن هناك دول مثل الإمارات والسعودية تعمل من خلال شراء القرارات السياسية بالمال، كما فعلتا مع دعم الانقلاب ضد الرئيس محمد مرسي، إلا أن الأموال تجذب موظفين يعملون بأجور، اما الايديولوجيا فتدفع معتنقيها للعمل الحثيث الذي كثيرا ما يكون تطوعيا وبدون مقابل. بل ان من يحملها بقناعة يضحي بنفسه من اجلها. اما الموظفون فيدعمون صاحب المشروع طالما ضمنوا رواتبهم، وقد لا يكونون مقتنعين أساسا بمشروع الدولة الداعمة.

 

وأكد الشهابي على أن قوة السعودية التي تشكلت خلال العقود الأربعة الأخيرة ليست نابعة من المال النفطي فحسب، بل من المشروع الديني الذي بثته في العالم. 

 

حداثة الشواذ

 

من ناحية أخرى، قال الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء ومجمع البحوث الإسلامية، إنه في سبتمبر 1994م عقد بالقاهرة مؤتمر الأمم المتحدة حول السكان، ولقد جاء وفد الأمم المتحدة إلى هذا المؤتمر الذي انعقد في ظل صعود موجة العولمة، التي تريد صب العالم في قالب منظومة القيم الغربية، التي أفرزتها الحداثة وما بعد الحداثة، وطي صفحة الهويات الحضارية الخاصة بعالم الجنوب، وخاصة عالم الإسلام. 

 

وأضاف عمارة خلال مقاله اليوم الاثنين،  أنه مع الوثيقة التي جاء بها وفد الأمم المتحدة إلى المؤتمر، جاء وفد من الشواذ يريدون التظاهر في شوارع القاهرة دعوة لحقوق الشواذ في بلد الأزهر الشريف! وقد طلب شيخ الأزهر، الشيخ جاد الحق علي جاد الحق من الرئيس حسني مبارك منع مظاهرة الشواذ، حفاظا على حياتهم من غضبة الجماهير، فمكثوا في الفندق حتى عادوا إلى بلادهم مع وفد الأمم المتحدة!.

 

وأشار عمارة إلى أن الوثيقة التي حملت منظومة القيم المنحلة بتوفير رعاية صحية تناسلية لجميع الأفراد من جميع الأعمار، للبنات والفتيات والمراهقات، وتلبية الحاجات التثقيفية والخدمية للمراهقين كيما يتمكنوا من التعامل مع نشاطهم الجنسي بطريقة إيجابية ومسؤولة، والحيلولة دون حدوث الزيجات المبكرة، وعلى الحكومات أن تزيد السن الأدنى للزواج حيثما اقتضى الأمر، ولا سيما بإتاحة بدائل تغني عن الزواج المبكر"!، وربطت الأمم المتحدة هذه الوثيقة بالمعونات التي تقدمها الأمم المتحدة للدول والمنظمات الحكومية والأهلية، وحددت عام 2015 م موعدا لتعميمها على كل المجتمعات.

 

وقال إن مصدر هذه الوثيقة، التي تقنن للزنى المبكر، وتمنع الزواج المبكر، والتي تستنفر العالم لتغيير هياكل الأسرة، تقنينا للشذوذ، وتشجيعا للمعاشرات الجنسية "المسؤولة" وليس "الشرعية"، فهي وكالات الأمم المتحدة ولجانها، التي تسيطر عليها – كما تقول الأستاذة الأمريكية كاثرين فروث – فئات ثلاث: الأنسوية المتطرفة ووأعداء الإنجاب والسكان والشاذون والشاذات جنسيا.

Facebook Comments