كتب – هيثم العابد

لم يدرك عادل إمام وهو يبتكر مصطلح "الفنكوش" فى واحد من أفلام ثمانينيات القرن الماضي، للدلالة على بيع اللاشئ وتجارة الوهم، أنه يقدم الكلمة الأكثر تعبيرًا على إنجازات دولة العسكر على مدار 60 عامًا أو يزيد، احتفل خلالها الشعب المِصْري بتلك البضاعة الفاسدة، ووجد فيها النظام الفاشي المسكن السحري لتمرير حالة الخراب العام المسيطرة على مفاصل الدولة.

ولأن العسكر كان يدرك من البداية أن الشعب مهيأ فى كل المراحل لمباركة مشروعاته الوهمية، لم يتورع أن يعيد الاحتفال بذات المشاريع وفى سيناريوهات مكررة دون أى تغيير فى المضمون أو الشخوص أو الرتوش، وهو ما ساعد كثيرا القابعين فى مطبخ الإعلام المِصْري على استنساخ مانشيتات الأمس لتمجيد الزعيم الملهم.

ومع توالي النكبات على رأس الانقلاب العسكري، قرر عبد الفتاح السيسي اللجوء إلى المسكن السحري الذى ابتكره الرئيس جمال عبدالناصر فى عام 1961 حول الحلم النووي الكبير، الذى لم يبرح حدود أسواره فى مدينة أنشاص، قبل أن يكرره المخلوع مبارك فى أواخر التسعينيات بتوقيع عقود اتفاق إنشاء مفاعل جديد فى مدينة الضبعة الساحلية مع الحليف الروسي، ليقدم السيسي نسخة كربونية من المشروع فى المكان نفسه ومع ذات الحليف المتأرجح.

شبكة "الجزيرة" الإخبارية، تساءلت عن ماهية المشروع الجديد، وفقا لمعطيات سنوات طويلة مضت، خلصت إلى نتائج وهمية، نووي أم فنكوش؟

وأوضحت -فى تقريرها- أنه "لا يعرف المِصْريون بعد الإجابة، لكن بينهم من يروج الكلمة الرائجة منذ هذا الفيلم الفكاهي؛ التى تعني بيع الوهم أو اللاشيء".

وأضاف التقرير أنه فى دولة العسكر "الوهم يسوق سلعة لتحقيق المكاسب، وما أحوج النظام المِصْري الآن إلى المكاسب أى مكاسب وبأي سرعة"، فى ظل تفاقم حالة الغضب فى الشارع المِصْري، الذى أوشك على الانفجار فى مواجهة بنية تحتية خربة وارتفاع حاد فى الأسعار وانهيار الاقتصاد، والتردي السياسي، والتقزم الدبلوماسي،

وسخر التقرير من العلاقة المتأرجحة بين الانقلاب وحليفه الروسي، موضحا: "فى أسبوع واحد نام المِصْريون على أخبار تأزم العلاقة مع روسيا بعد تفجير طائرتها فوق سيناء، ليفيقوا ذات صباح على أنباء توقيع اتفاق معها لإنشاء مفاعل نووي فى الضبعة".

وتابع: "بينما اندفع الإعلام الرسمي كعادته بالترويج للاتفاق باعتباره فتحًا سياسيًّا، وعلميًّا، وإنجازًا قوميًّا سينقل مِصْر إلى الحداثة النووية، كانت السخرية تجتاح مواقع التواصل من معارضين وناشطين يعرفون جيدا هذه الحملات بأسلوبها القادم من الستينيات؛ إذ يرون بالعين ويخبرون بالعيش إلى ماذا انتهت فى كل مرة".

وفى الشارع انقسم الناس بين سائل عن جدوى تلك المشروعات فى ظل خراب البنية التحتية، وبين مؤيد بلا نقاش طالما تعلق الأمر بالزعيم الملهم، إلا أنه وبصرف النظر عن رد الفعل الشعبي، شكك الخبراء فى موقع المفاعل الجديد؛ حيث يرى بعضهم أنه غير ملائم لقيام نشاط نووي من الأساس.

وأشار التقرير -بعيدًا عن موقع المفاعل- إلى أنه تتوالى الأسئلة الفارغة فى فضاء الانقلاب دون أن تنتظر أجوبة تشفي صدور المِصْريين؛ كيف لنظام يعجز عن تأمين مطار أن يأتمن على مواد نووية؟ بينما يرى آخرون أنه سيكلف أكثر مما يوفر، ومن أين ستأتي مِصْر بالوجود النووي أصلا؟

التساؤلات تقود -بطبيعة الحال- إلى نتيجة واحدة، باعتبار الاتفاق صفقة لإرضاء روسيا وفقط، ليكون مصيره أفضل من المليون وحدة سكنية والعاصمة الجديدة؛ حيث تبين أنه لا مال أصلا لتغطيتها، فضلا عن تفريعة قناة السويس التى تكشف الآن عن خسائر مخيبة.

واختتم التقرير بسؤال مرير يعكس واقع الحياة فى مِصْر العسكرية، "هل سيفيق المِصْريون حقًّا على وطن نووي، أم على لا شيء آخر يستثمر فى طيبتهم ليغطي فراغا بحجم وطن؟".

Facebook Comments