كتب حسن الإسكندراني:

أعاد نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعى، اليوم الثلاثاء، نشر فيديو لنموذج سابق لإسقاط الانقلاب العسكري وهى "تجربة الأرجنتين"، مؤكدين أن صمود الشعب وإصراره أدى لتحول الدولة إلى ديمقراطية وليست عسكرية.

كانت الأرجنتين حالة مستعصية من حكم العسكر، صعد المجلس العسكري بها للحكم عام ١٩٧٦ بانقلاب عسكرى قاده الجنرال "فيديلا" على حكومة رئيسةالأرجنيتن ايزابيلا بيرون، واستطاع العسكر أن يفرضوا سيطرتهم على البلاد؛ حيث شكل الجنرال "فيديلا" مجلسا عسكريا مكونا من 9 جنرالات، وفرض الأحكام العرفية، وألغى الدستور، ثم حظر التظاهر والتجمهر، وفرض الرقابة على الصحافة والإعلام، وفرض هيمنة العسكر على النقابات ومنظمات المجتمع المدني، وأخيرا بدأ ما عرف باسم "الحرب القذرة" التي استمرت 6 سنوات هي مدة الحكم العسكري 1976-1983.

القائد الأرجنتيني خورخي فيديلا، نفذ انقلابا عسكريا وحشيا فى الأرجنتين كان يسمى بحكم الرصاص، الحكم الذى قتل وشرد واعتقل فيه ما يقرب من 30 ألف شخص وامرأة وطفل.

فيديلا جعل عمليات خطف المعارضين في صلب سياسة الدولة المنهجية في ظل النظام العسكري الأرجنتيني (1976-1981)، فمثلا قام بخطف حوالى 500 طفل من ذويهم إبان فترة الدكتاتورية، ومنحوا بالتبني إلى مسئولين أو مقربين من النظام لترتبيتهم كجنود له.

لفظ خورخي فيديلا (87 عاما) أنفاسه الأخيرة في الزنزانة التي كان يمضي فيها عقوبة السجن المؤبد عن الجرائم التي ارتكبها نظامه العسكري الاستبدادي عام 2013.

كانت المرأة الأرجنتينة فى صدر الثورة التى أطاحت بحكمه عام 1981 وأكثر من دفع الثمن بعمليات الخطف والاغتصاب الواسعة والحمل القسرى لتربية جنود للعسكر موالين له بعد الولادة.

كما كان يلقى بالمسلحين بعد إخضاعهم لعمليات تعذيب من الطائرات والمروحيات في نهر (ريفر بلات) حتى لا يعثر على جثثهم على الاطلاق.

وأطلق على هؤلاء المسلحين اسم "المختفين" أو المفقودين، ومنذ ذلك الوقت دأبت أمهاتهم على انتظارهم وتنظيم حملات للعثور على أشلائهم أو مقابلة أحفادهن الضائعين.

لكن أكثر أوجه الديكتاتورية مأساوية تمثل في وحشية القمع المعمم المستوحي "عقيدة الأمن القومي" التي اخترعتها واشنطن التي ترى أن الأرجنتين وأمريكا اللاتينية مهددة بخطر "الشيوعية العالمية".

اعتبر العسكر كل من لم يؤيد صراحة الانقلاب عدوا وعرضوه للقمع، أي السواد الأعظم من القطاعات الاجتماعية، مع الصمت المتواطئ من جانب الطبقة السياسية.

وتتحدث مصادر متنوعة عن 500 ألف منفي اضطروا إلى الهروب من البلد.

كان هدف انقلاب 1976 الصريح كبح تقدم الحركات الاجتماعية، وتحطيم أى نوع من المعارضة، وفي القطاع الصناعي، سعى العسكر إلى تركيز سريع للثروة لجنرالاتهم. وفي ظرف وجيز قاموا بتصفية ثلث جهاز الإنتاج –لا سيما المنشآت الصغيرة والمتوسطة الوطنية- مع انفتاح متسارع على الواردات.

وبشكل مواز قاموا بإلغاء قسم مما حققه العمال من مكاسب في 50 سنة الأخيرة، نهاية الانقلاب جاءت بالتوازى مع الثورة ضده طوال 5 سنوات، وأيضا للفشل الاقتصادى الذريع الناتج عن المنطق العسكري.

انتقل الدين الخارجي إلى أكثر من 45 مليار عند نهاية الدكتاتورية، وتضاعفت الديون 20 مرة تقريبا إلى 160 مليار.

ومذاك قامت دوامة جهنمية لأن الأرجنتين سددت خلال هذه الفترة 200 مليار دولار، أي زهاء 25 مرة مبلغ ديونها في مارس 1976.

ولا حاجة إلى الإشارة إلى أن قسما كبيرا من المبالغ المقترضة من الخارج في ظل الديكتاتورية لم تكن تصل إلى حسابات بالأرجنتين، بل تغذي استثمارات العسكريين بالخارج، ومجموعاتهم الاقتصادية والاليغارشية بواسطة آلية فساد يسميها الشعب "الدراجة المالية".

اصطنع المجلس العسكري حربًا وطنية ضد بريطانيا على منطقة جغرافية متنازع عليها، وكان ينتظر من الولايات المتحدة مساندته في تلك الحرب، لكنها خلت به وساندت البريطانيين، مُني العسكر بهزيمة ساحقة وفقدوا مصداقيتهم للأبد.. وأخيرًا اضطر المجلس العسكري للاستقالة وترك الشعب ينتخب أول رئيس مدني له، وهو راؤول ألفونسين الذي صعد للسلطة عام ١٩٨٣.

الأرجنتين اليوم بعد دحر الانقلاب العسكري، تختلف تماما عن هذا الأمس الكئيب، الأرجنتين الآن تتمتع بازدهار اقتصادي وهي ثالث أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية.

وفي عام 2012 نما الاقتصاد الأرجنتيني بنسبة 9%. وتتمتع الأرجنتين بتصنيف عالي جدا في مؤشر التنمية البشرية، وتحتل المركز الخامس في مستوى الناتج المحلي اللأسمي للفرد الواحد على مستوى دول أمريكا اللاتينية والأعلى في القدرة الشرائية.

Facebook Comments