كتب سيد توكل:

الشرطة المصرية لا يسري عليها ما يسري على كل شرطة في العالم، لأنها "مليشيا" أو عصابات رسمية منوط بها حماية نظام عبدالناصر وما بعده من الجنرالات بالأساس وليس حماية الأمن الداخلي، يذهب إلى ذلك الرأي عدد هائل من الباحثين والدارسين، فكانت الجهاز الذي دخل في صراع مباشر ومفتوح مع جموع الثوار من اليوم الأول لثورة 25 يناير، ليس هذا فحسب، بل إنها السكين والرصاصة القاتلة التي دخلت في صراع دائم مع رافضي الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

تقول الباحثة الاجتماعية بسمة عبدالعزيز: "بالطبع كانت هناك فصائل أمنية أخرى اشتبكت مع الثوار كالشرطة العسكرية مثلًا، لكنَّ اشتباكاتها لا تقارن بالاشتباكات والصراع مع الشرطة. العداء التام كان منصبًا دومًا بين الفريقين الثوار من ناحية والشرطة من الناحية الأخرى".

ويضيف: "يشهد على ذلك الهجوم المتكرر والدائم على مقرّ وزارة الداخلية الرئيسي وعدة ممارسات أخرى مارسها الثوار. وإذا أردنا أن ندرس رمزية الهجوم على هذه الوزارة وأحداث العداء التام والكامل، فنستطيع دون جهد أن نقول إنَّ هذه الأحداث إنما جاءت كرد فعل على رمز القهر والظلم والبطش الذي تعرض له الشعب المصري في عهد الرئيس المخلوع مبارك، هذا الرمز هو الشرطة". 

 محاولات الرئيس مرسي
حاول الرئيس المنتخب محمد مرسي منذ بداية ولايته ترويض هذا الوحش الذي رباه العسكر، ومحاولة جعله مستأنسا في خدمة الشعب لكن محاولاته تلك ذهبت أدراج الرياح، وكان يحاول هذا عن طريق زيادة مرتباتهم ورفع ظلم الضباط عن العساكر والجنود وأمناء الشرطة، لكنَّ تصور الرئيس مرسي عن استقامة "ذيل الكلب" لم يكن صحيحًا، فالرئيس الذي عيَّن وزير الداخلية محمد إبراهيم، ما لبث أن تعرض لمؤامرة الانقلاب التي شارك فيها الأخير، وبدأت الداخلية تدير مذابح غامضة وتطلق سعار جيش رهيب من البلطجية والمسجلين خطر، حتى حدث الانقلاب بعدها ظهر فجورهم في فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة عام 2013.

ومن المجازر التي ارتكبتها الداخلية لإحراج الرئيس مرسي، في اليوم الثاني لذكرى 25 يناير الثالثة وبعيدًا عن العاصمة فتحت الشرطة النار على محتجين في مدينة بورسعيد، ما أسفر عن سقوط 57 قتيلًا، وإصابة 130 آخرين وذلك بعد تجمعهم أمام سجن بورسعيد العمومي بعد حكم المحكمة بإعدام 21 من المتهمين في القضية المعروفة بمذبحة بورسعيد، مع تأجيل محاكمة كل القيادات الشرطية المتهمين في ذات القضية.

أطلقت الشرطة الرصاص بشكل كثيف وعشوائي بمحيط السجن ما أسفر عنه سقوط عشرات القتلى بعضهم لم يكن من المحتجين وبينهم لاعبون كرة من نادي المريخ المجاور للسجن، ومواطنون آخرون تصادف مرورهم في محيط السجن لينتهي اليوم بمقتل 46 شخصًا.

لم تكتفِ الشرطة؛ فبعدما خرج أهالي بورسعيد لتشييع جثامين الضحايا وصاحبهم هتاف المحتجين قامت قوات الأمن المكلفة بتأمين نادي الشرطة بإطلاق الرصاص على المشيعين في أحداث انتهت بسقوط 57 قتيلًا و130 مصابًا. 

 الطلاب وقمع الشرطة
كان طلاب الجامعات والفتيات شوكة في حلق شرطة الانقلاب، فمع دخول الشرطة والجيش للحرم الجامعي والوقوف أمام التظاهرات الطلابية قتلت الشرطة برصاصها 300 طالب مصري داخل الحرم التعليمي، وكانت أغلب حوادث القتل بجامعتي الأزهر والقاهرة، كما قامت بالقبض على 2262 طالبًا، وإصدار قرارات بفصل 1286 طالبًا على خلفية رفض الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي.

وكما هي شهادات متظاهري مسيرة الاتحادية ومجلس الوزراء فقد تعمدت الشرطة سحل الفتيات والقبض عليهن، وحتى الآن يوجد حوالي 56 فتاة وسيدة في معتقلات الانقلاب، يتواجد منهن أكثر من 46 فتاة في عنبرين سياسيين أو في عنابر الجنائيين بسجن القناطر، وسجن الأبعدية في دمنهور الذي يضم 8 فتيات، وسجن بنها أيضًا يجمع طالبات محتجزات، ويليهم سجون تحوي معتقلة واحدة بكل محافظة مصرية.

ولم تقتصر عمليات القبض على نساء وفتيات جماعة الإخوان المسلمين، وإنما شملت عددًا من ناشطات اعترضن على قانون التظاهر أمام مجلس الشورى ومجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين” وطالبات من داخل الحرم الجامعي ليواجهن نفس التهم بين استعراض قوة وتخريب والتعدي على أبقار الشرطة!

وتعرضت الكثير من فتيات الشرعية ورفض الانقلاب لسوء المعاملة والضرب والسب بألفاظ خارجة أثناء عمليات القبض، كذلك تعرضت 15 منهن في سجن القناطر للكشف المهبلي بواسطة السجانات في حين أعفيت من هذا الكشف غير المتزوجات.

وأكثر من 126 حالة اعتقال وأكثر من 35 اعتقالًا من داخل الحرم الجامعي وأكثر من 30 حكمًا ضد فتيات الأزهر، مجموع الأحكام الصادرة ضد فتيات الأزهر وصل إلى 100 عام سجن، والكفالة المالية بلغت 2 مليون و300 ألف جنيه فيما وصفته المنظمات الحقوقية بالتعجيز. 

 الشرطة ستدفع الثمن
يشيع استخدام أدوات الضرب والتعذيب بكثرة داخل أماكن الاحتجاز وفي متناول أيدي الجنود في تعدِّي تخطَّى الصفع والركل والضرب بالسياط إلى القتل، وتخطى تعذيب النشطاء والطلاب إلى اختطاف وتعذيب قيادات في جماعة الإخوان المسلمين، وحتى المحامين تعرضوا للقتل في واقعة شهيرة راح ضحيتها المحامي كريم حمدي على يد ضباط قسم المطرية، تمَّ إخلاء سبيلهم بعد أيام من التحقيقات!

وفي مطلع 2017 أكد تقرير التنسيقية المصرية للحقوق والحريات أن الانتهاكات الحقوقية التي تحدث في مصر على يد الانقلاب العسكري ومؤسساته الأمنية بالجملة، وأنها لا تحدث في أي دولة تحترم رعاياها ومواطنيها ولديها قضاء مستقل، وبها مؤسسات دولية تدعم "القانون".

ولخص الباحثون في "التنسيقية المصرية" جرائم الانقلاب العسكري، في 2016، ضمن 11 بندا، أولها (٢٩٠ حالة قتل)، منها ٥٤ حالة تصفية جسدية، و٣٤ حالة وفاة بالإهمال الطبي، و١٤ حالة قتل نتيجة التعذيب، و٩ حالات قتل خارج مصر، و٢٦ حالة في حادث الكنيسة، وحالة قتل واحدة بالإعدام، وأن من بين القتلى ٢٥ امرأة.

ويتساءل مراقبون “هل أنهت ثورة يناير بطش مؤسسة الشرطة واستبدادها بالمواطنين؟.
حتى اليوم تأتي الإجابة بالنفي، نفي أكيد تثبته النسب والإحصاءات، تظهر الشرطة وهي لا تزال تكشر عن أنيابها، وتمارس قدرًا مفزعًا من العُنف تجاه رافضي الانقلاب وحتى المواطنين غير المسيسين، مع تفاقم حالات التعذيب والاختفاء القسري.

وبرأي خبراء فقد تلاشت حالة الانكسار المصطنع التي أصابت الشرطة في 25 يناير 2011، والتي لخصها سخط أحدهم بالقول"الشعب ركب يا باشا"، وحققت انتقامها من الثورة، وبات واضحاً أن الشرطة كلب الانقلاب الشرس، وعليها ستقوم الثورة القادمة ولكن عندها ستتلاشى عصابات وميلشيات العسكر، وستدفع ثمن قتل الشهداء وتعذيب الأبرياء وكل قطرة دم وصرخة ألم، وتحل محلها شرطة نظيفة من قلب الشعب.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Facebook Comments