كتب: أسامة حمدان

حقيقة لا خيال هو ما تمخض عنه لقاء قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، أمس الأربعاء، مع ما يسمى بـ"لجنة علماء مصر"، التي شكلها السيسي بنفسه فيما يعتبر أعضاؤها "السيسي" بمثابة الأخ الأكبر، الذي ورد ذكره في رائعة الكاتب الإنجليزي "جورج أورويل" 1984، التي كتبها قبل ما يزيد على ستين عاما.

لقاء "الأخ الأكبر" عبد الفتاح السيسي بأعضاء لجنته المختارين بعناية، تمخض بعد مناقشة لحال الأخلاق والضمير في مِصْر، عن إنشاء "لجنة لتنمية الضمير والأخلاق"، التي ستلاحق كل معدوم ضمير لا يسبح بحمد إله الانقلاب ومشاريعه الفنكوشية.

سخرية لاذعة
منصات التواصل استقبلت الخبر بسخرية لاذعة، وهو ما تساءل عنه المهاجر: "‏لجنة لتنمية الأخلاق والضمير! ومن ناس معدومة الأخلاق! طاب إزاي يا جدع؟" وسخرت رودي:"‏أنا عايزة أشارك في شرطة الأخلاق والضمير دي في سلاح الشباشب".

وتعجبت أسماء: "‏السيسي عايز يعمل لجنة لتنمية الأخلاق والضمير، العجيب إنك تصدق أن الأخلاق والضمير محتاجين لجنة عشان نتعامل بهم والأعجب أن السيسي اللي يعملها!".

أم الأجنبي
اعتاد المِصْريون منذ الانقلاب على تجليات وشطحات يقوم بها "السيسي"، منذ اقتراحه الأول الخاص بسيارات توزيع الخضار، إلى إنشاء "شرطة الضمير" التي ربما يعهد إليها بكشف ما يجول في صدور المِصْريين، بجهاز يتم اختراعه شبيه بجهاز الكفتة الخاص بكشف الإصابة بفيروس سي.

"وزارة الحقيقة" في رواية  العبقري "أورويل" التي تزامن كتابتها مع بداية الانقلاب العسكري الذي قام به جمال عبد الناصر، هي المسئولة عن سلامة أفكار الناس ومعتقداتهم وعن حمايتها من التلوث والتأثير الخارجي، ومثل ما جاء في الرواية يقوم "السيسي" الأخ الأكبر بمهمة جليلة، وهي تعديل وتغيير ضمائر المصريين، لتتناسب مع قرارات جمهورية العسكر، تماما مثل ما قامت به "وزارة الحقيقة" من تعديل المواد المنشورة قديماً في الصحف لتناسب الرؤية الجديدة للحزب.

فمثلاً خروج الإعلامي أحمد موسى، على المصريين المسلمين مشدداً على ضرورة دعم "روسيا" الأرثوذكسية في حربها ضد الإرهاب، كونها من أكبر الدول التي تساند الانقلاب وتدعم السيسي حالياً.

وتابع: "الروس زى الصعايدة مش بيسيبوا حقهم وهما عارفين اللي أسقط الطائرة بتاعتهم.. لازم ندعم روسيا كمصريين في موقف الرئيس الروسي بوتين ضد الكيان التركي".

هكذا إذن ينضم "أحمد موسى" إلى فريق وزارة الحقيقة الذي شكله السيسي، والتقي بلجنته أمس الأربعاء، ويطالب بدعم ميخائيل أمام محمد، وضرب ديار المسلمين الأتراك ثأرا وانتقاما لسقوط طائرة عسكرية انتهكت أجواء أنقرة، ولا بأس حينها أن تساق فاطمة لتغسل قدمي كبير الكرملين في موسكو، أو تكون عائشة التركية عاملة في إسطبل خيول بوتين.

وبمراجعة رواية "1984" إذا قال الحزب –أي الانقلاب- إن الدولة تتحالف مع دولة استاسيا ضد دولة أوراسيا فلا بد أن تتغير كل الصحف والأقلام والكتب التي كانت تقول إن الدولة سبق أن حاربت استاسيا أو تحالفت مع أوراسيا!

علي جمعة
ويتعين على اللجنة التي شكلها السيسي لمراقبة ضمائر المصريين، أن تحذوا حذوا الرواية وأن يكون من وظائفها المهمة أن تمحو ذكر أي شخص يقرر الانقلاب التخلص منه، فلا يكفي إعدامه بل ينبغي محو ذكره تمامًا من كل المنشورات والوثائق القديمة، فأعداء الانقلاب لا يستحقون حتى الذكرى، وهو عين ما دعا إليه الشيخ علي جمعة، مفتي المخلوع مبارك، عندما قال محرضا على قتل المعتصمين في رابعة والنهضة: "إنهم لا يستحقون مصريتنا"!

لجنة الضمائر التي شكلها السيسي، التي ستتبلور في المستقبل إلى شرطة الضمير، ستقوم كذلك على إصدار معجم لغوي انقلابي للشعب، يحذف الكلمات النابية من طراز (ثورة، استقلال ، عيش، حرية، عدالة اجتماعية)، حتى لا تفسد أفكار الناس وتنحرف توجهاتهم بعيداً عن دفة العسكر.

لجنة الضمير التي شكلها السيسي، رسالتها البارزة أن يعلم من يمشي "جنب الحيط" أو حتى داخلها أن "الأخ الأكبر" يراقبه، يشاهد المصريين صورة "السيسي" الضخمة المهيبة في الشاشات العملاقة، ويشعرون بحرارة النظرة الفاحصة المحدقة خلف الشاشة، "السيسي" يعرف كل شيء!

لجنة الضمير أو شرطة الضمائر، ستراقب الناس عبر الشاشات والكاميرات الخفية والجواسيس المخلصين، ستقدمهم إلى محاكمات عادلة في أقفاص من زجاج داخل الأقفاص الحديد، بعد مرورهم بالتعذيب البدني والنفسي في أقسام الشرطة وسجون ومعتقلات الانقلاب.

اعتقال
«شرطة الأفكار» ستداهم غرفة نومك في إحدى الليالي، كما اقتحمت قوات الانقلاب منزل أ.س. بهدف اعتقال زوجها الذي شارك في معظم التظاهرات المناهضة للانقلاب العسكري في مصر.

تقول: "فوجئتُ بوقع أقدام متسارعة، وطرق عشوائي متواصل على باب البيت، اقتربت الأصوات أكثر فأكثر، وأنا واقفة في مكاني في المطبخ لا أقوى على الحركة من هول الصدمة، وإذا بأشخاص ملثمين يجرّون زوجي من لحيته، صرختُ وتشبّثت به، فأخذوني معه بملابس البيت من دون أن أرتدي حجابي".

تتابع: "في قسم الشرطة، كنت معصوبة العينين، أسمع صراخ زوجي وأصوات الضرب واللعنات من حوله، إلى أن أزاح أحد العساكر الضمادة من عن عيني، فإذا بزوجي معلق من قدميه في السقف، وجسده ملطخ بالدماء وآثار التعذيب".

لم تنته القصة هنا، "بعد حفلة التعذيب هذه لإجباره على الاعتراف بتكوين خلية إرهابية، حان وقت الضغط علي. شدّني أحد العساكر من شعري وقال لزوجي: تحبّ نقلّعها هدومها هي كمان ولا تتكلّم أحسن؟ فرد على الفور: سأقول ما تريدون سماعه".

ظلّت أ.س. ملقاة على طريق قسم أول مدينة نصر، قبل أن يجلب لها أحد العساكر غطاءً للرأس لترتديه وتنصرف، تقول: "كان معي جنيه واحد فقط. استقللت الميكروباص من مدينة نصر إلى شبرا، وأكملت الطريق سيراً على الأقدام"، من شبرا إلى منزل أهل زوجها الذي يبعد عشرات الكيلومترات، مشت هائمة في شوارع تعرفها جيداً، إلا أنها كانت تشعر بالغربة.

ربما يغير الأخ الأكبر "السيسي" اسم وزارة الداخلية ليجعلها «وزارة الحب»، وهى المعنية بتلقي أصحاب "الضمائر الإرهابية" كي تعيد إصلاحها وتجعل حبه خالصاً للأخ الأكبر فقط!

يتولى رئيس شرطة الضمائر سيتولى مهمة تعذيب المِصْريين الرافضين للانقلاب شخصيًّا، سيخبر الضحية أن عليه أن يتعلم، يتفهم، ويؤمن بحب الأخ الأكبر وحده، يتعرض للصدمات الكهربائية وشتى أنواع التعذيب يعترف بجرائم لم يرتكبها قط.

إلا أن الفارق بين رواية "أوريل" و"لجنة لتنمية الضمير والأخلاق" التي اعتمدها السيسي، هو أن المعتقلين في سجون الانقلاب متشبثون بالشرعية وعودة الرئيس مرسي وسقوط الانقلاب، متمسكون بحب مِصْر وكراهية الأخ الأكبر المزعوم، بينما في رواية جورج أوريل، كان البطل يخاف الفئران بشدة؛ لذلك وضعوا رأسه في قفص ممتلئ بالفئران الجائعة، انهار ورضخ وأصبح يحب الأخ الأكبر، وهو ما لن يحصل عليه السيسي وآلاف الشهداء وصمود 50 ألف معتقل خير مثال على ذلك.

Facebook Comments