خلال سنوات ما بعد انقلاب 30 يونيو 2013، أجهز نظام العسكر على جميع صور وأشكال العمل الأهلي والخيري التي كانت تقوم بها أحزاب وحركات يراها النظام العسكري تهديدا لوجوده وبقائه على رأس السلطة، حتى لو كانت هذه المؤسسات المدنية تتكفل برعاية عشرات الملايين من الفقراء ومحدودي الدخل.

واختص النظام العسكري المؤسسات الخيرية التي كان يديرها الإخوان المسلمون بحرب ضارية؛ بهدف استئصال هذا النشاط الحيوي والكبير، والذي كان يمتد إلى جميع المدن والقرى بالمحافظات المصرية.

بدأت هذه الحرب بتجميد أرصدة هذه الجمعيات الخيرية بناء على حكم من محكمة الأمور المستعجلة، في سبتمبر 2013م، بحل جمعية الإخوان والتحفظ على أموالها. وتوسع نظام 30 يونيو في قرار الحل والتجميد حتى وصل إلى تعليق عمل ما بين 1055 إلى 1300 جمعية، بخلاف تجميد آلاف الجمعيات الأخرى نشاطها تلقائيا خوفا من الملاحقات الأمنية.

وبحسب تصريحات وزيرة التضامن الاجتماعي بحكومة الانقلاب غادة والي، فإن بمصر نحو 50 ألف جمعية خيرية، تنشط منها 12 ألفا و17 ألف جمعية أخرى لها نشاط محدود، بينما هناك نحو 20 ألف جمعية خيرية علّقت أعمالها وباتت مجرد رخصة بالعمل دون إسهام حقيقي.

ومن هذه المؤسسات الخيرية التي كان يديرها الإخوان وصودرت تحت إدارة فاشلة تابعة للنظام «الجمعية الطبية الإسلامية»، التي تعتبر صرحًا عالميًا تضم أكثر من 38 مستشفى ومستوصفا و10 مراكز متخصصة للغسيل الكلوي و12 صيدلية، وتعالج أكثر من 3 ملايين مريض، وتجري أكثر من 75 ألف عملية جراحية سنويا، وتتركز فروعها في المناطق الشعبية الفقيرة، حيث يشكل الفقراء غالبية المستفيدين من خدماتها، وتقدم خدماتها للجميع بالمجان.

وبهذه الإجراءات تمكن النظام من حصر العمل الأهلي والخيري في المقربين منه والمرضي عنهم أمنيًا، حيث خلت الساحة لتبقى الجمعيات التي يهمين عليها النظام مثل جمعية رسالة والأورمان وبنك الطعام ومؤسسة مصر الخير، وكلها جمعيات يديرها لواءات سابقون أو شيوخ موالون للنظام. وامتد التأميم لإجبار رجال الأعمال على التبرع لصندوق “تحيا مصر” الذي يشرف عليه السيسي مباشرة  ولا يحظى بأي رقابة من أي جهة رقابية.

ولم يتمكن النظام مطلقا من ملء الفراغ الذي تركته هذه المؤسسات الخيرية بفروعها الممتدة في آلاف المدن والقرى والأحياء، بخلاف تجميد النشاط الخيري في المساجد الصغيرة؛ خشية الملاحقات الأمنية التي لم تتوقف ساعة واحدة منذ الانقلاب حتى اليوم.

رشاوى سياسية

هذه العوامل ربما تفسر النشاط الذي تقوم به حاليا أحزاب السلطة التي وصلتها توجيهات أمنية بضرورة العمل لملء الفراغ الهائل الذي تركه الإسلاميون الذين تم الزج بهم في السجون والمعتقلات بتهم سياسية ملفقة، حيث قتل منهم الآلاف واعتقل عشرات الآلاف وصودرت أموالهم وحيل بينهم وبين الناس قهرا وقسرا.

ومن هذه الأحزاب “مستقبل وطن” الذي تأسس سنة 2014م في غرف ودهاليز مبنى المخابرات الحربية، ويضم بين قياداته العديد من رموز نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، على غرار نائب رئيس الحزب للشئون البرلمانية، رجل الأعمال محمد أبو العينين، ومالك شركات حديد الجارحي، جمال الجارحي، ومؤسس مجموعة “عامر غروب” منصور عامر، وغيرهم من رجال الأعمال الذين يساندون النظام الحالي خلال أي أزمة، حمايةً لمصالحهم التجارية في المقام الأول.

وتولى رئيس المحكمة الدستورية السابق، المستشار عبد الوهاب عبد الرازق حسن، منصب رئيس الحزب في العاشر من مارس الماضي، خلفا للنائب في البرلمان أشرف رشاد، بتعليمات مباشرة من الأجهزة الأمنية، ومن دون إجراء انتخابات بشكل مخالف للائحة الحزب، وهو ما جاء في سياق التمهيد لرئاسته مجلس الشيوخ، أو مجلس النواب المقبل، خلفا لرئيسه الحالي علي عبد العال.

ومن ضمن الأحزاب التي توزع الشنط الرمضانية بخلاف “مستقبل وطن”، أحزاب “المصريين الأحرار” و”الحرية” و”المؤتمر” و”الوفد” و”حماة الوطن” و”الشعب الجمهوري” و”المحافظين”. ومع اقتراب الانتخابات البرلمانية، يتواجد العديد من النواب الحاليين في دوائرهم لتوزيع الشنط والهدايا الرمضانية، لخلق مزيد من التواصل مع الجماهير طمعا في نيل أصواتهم، وإعادة انتخابهم مرة أخرى.

البعض يعتبر هذه الأنشطة “رشوة سياسية”، لا سيما وأن هذه الأنشطة الخيرية موسمية لا تظهر إلا بالتزامن مع موعد الانتخابات، بخلاف أن هذه الأحزاب لا تحظى أساسا بحاضنة شعبية، وتعتمد بشكل كبير على دعم الأجهزة الأمنية التي تتحكم في مسار الانتخابات من الألف إلى الياء، بدءا من اختيار قوانين الانتخابات، وصولًا إلى اختيار المرشحين وترتيبهم في القوائم ثم الهيمنة المطلقة على جميع اللجان، وحتى على القضاة المشاركين في المسرحية، وصولا إلى إعلان النتيجة التي تكون معروفة سلفا.

بين الإخوان والعسكر

وتغيرت نظرة نظام السيسي وانقلاب 30 يونيو عن قسم البر والخير التابع لجماعة الإخوان، ورأت فيه سلطة موازية في ظل إصرار النظام العسكري على احتكار المشهد السياسي والانفراد بالسلطة دون شريك، مع وأد أي مسحة ديمقراطية، وإجهاض أي صورة من صور التنافس الشعبي الحر؛ ولهذا يصر نظام السيسي على محاولة استئصال الإخوان ومؤسساتهم الخيرية والدعوية في إطار مشروع إقليمي يستهدف بالأساس القضاء على أي جهة يمكن أن تعرقل دمج المشروع الصهيوني في المنطقة، وتكريس وجوده وضمان بقائه.

في تفسيره لأسباب انتخاب الشعب المصري للإخوان في كل المحافل الديمقراطية بعد ثورة 25 يناير 2011م، يعزو الناشط السياسي مصطفى النجار، المفقود حاليا ولا تدري أسرته هل استشهد أم اعتقل، في مقال له بعنوان «لماذا ينجح الإخوان؟.. العمل مع المجتمع»، والمنشور بصحيفة الشروق في عدد 28 سبتمبر 2012م، أسباب ذلك إلى الانتشار الواسع للجماعة بين فئات المجتمع، منتقدًا عدم قدرة القوى السياسية الأخرى على فعل الأمر ذاته.

يقول النجار: «ويمكن تشبيه قسم البر بجماعة الإخوان بجمعية خيرية ضخمة هائلة الإمكانيات وشديدة التنظيم، حيث تملك قواعد بيانات منظمة ومحدثة باستمرار لكل الأسر الفقيرة التى يتم دعمها بشكل دورى مستمر، ولعل ما يجب أن يعرفه كل من يتهم الإخوان بأنهم يوزعون الزيت والسكر أيام الانتخابات فقط، أن هذه معلومة تحتاج إلى التصحيح، فقسم البر يعمل على مدار العام، وليس وقت الانتخابات فقط، مع شبكاته الاجتماعية ليس من خلال توزيع شنط غذائية فقط، بل من خلال شبكة خدمات اجتماعية تشمل مدارس ومستشفيات ومستوصفات وصيدليات، ساعدت الإخوان على بناء رأس المال الاجتماعى الذى يساعدهم بشكل مباشر فى حصد أصوات الناخبين، إذ أن كل فرد داخل هذه الشبكات التى يدعمها الإخوان يذهب صوته لمرشحى الإخوان؛ لأنهم من ساعدوه وهو يثق فيهم ويراهم الأكثر صلاحًا عن بقية المنافسين».

لهذه الأسباب، فنظام السيسي يتصور أن نجاح الإخوان في الفوز بثقة الشعب إنما يعود إلى رشوتهم للناس في مواسم الانتخابات عبر توزيع كراتين الزيت والسكر؛ وهي الأكذوبة التي يروجها إعلام النظام والأبواق التي تعميها الخصومة مع الإخوان عن إدراك الحقيقة.

Facebook Comments