جددت وزارة الصحة بحكومة الانقلاب فتح أبواب التطوع لغير العاملين بقطاع الصحة للمشاركة في جهود مكافحة تفشي وباء كوفيد 19 المعروف بكورونا، ورغم أن الوزارة نفت ذلك، إلا أنها تناست أنها أطلقت بالفعل مبادرة في 25 مارس 2020م تحت عنوان “كن بطلا” ولا تزال قائمة حتى اليوم.

وفي هذه المبادرة طلبت الوزارة متطوعين من العاملين بالمهن الطبية أو طلبة الطب أو العاملين بوظائف غير طيبة للعمل في مستشفيات العزل، وهي المبادرة التي أطلقتها الوحدة المركزية لمقدمي شؤون الخدمات الطبية بوزارة الصحة والسكان،  وعرضت الوزارة مذكرة إلكترونية لكل من يرغب في ذلك بملء بياناته من خلال التقديم عبر الرابط تحت شعار “كن بطلا”، كما أنها وضعت بريدا إلكترونيا في حال الرغبة في الاستفسار تواصل وهو [email protected].

ويأتي ذلك في أعقاب تفشي حالة الغضب الواسع بين الطواقم الطبية في جميع مستشفيات مصر بسبب الإهمال الجسيم الذي يتعرضون له من جانب حكومة الانقلاب التي لم توفر لهم حتى  اليوم أدوات ومستلزمات الوقاية من العدوى وتركتهم للوباء يفتكهم دون رحمة؛ وبحسب نقابة الأطباء فقد بلغ عدد الإصابات بين الأطباء نحو 350 حالة توفي منهم نحو 19 طبيبا. وتبلغ الإصابات بين طواقم التمريض بالمئات والوفيات نحو 7 حالات.

الرسالة إذا واضحة، وهي مؤشر على أمرين:

الأول: أن ثمة مؤشرات كبيرة على رغبة الكثيرمن الأطباء وطواقم التمريض على عدم القيام بالمهام الوظيفية المطلوبة منهم ردا على إهمال نظام العسكر وحكومته وعدم كفاية مواد ومستلزمات الوقاية من العدوى التي تعاني من نقصها جميع مستشفيات مصر الشعبية. وأن ثمة إضرابا غير معلن يقوم به كثير من الأطباء في ظل اعتذار كثيرين لأسباب متعددة منها المرض والظروف الطارئة وبعضهم يفضل الاستقالة لعدم توافر البيئة المناسبة للعمل. في ظل هجوم إعلام العسكر عليهم والضغط عليهم للعمل مع عدم توافر أدوات الوقاية من العدوى واتهامهم بالخيانة إذا رهنوا العمل بتوفير هذه الأدوات. بخلاف سقوط أكثر من 350 مصابا و19 وفاة بين الأطباء، وهو ما يدفعهم للخوف على حياتهم ولذلك عبرت نقابة الأطباء عن ذلك بأنها تحارب الوباء بلا سلاح.

الثاني: أن ذلك ربما يكون مؤشرا على التفشي الواسع للعدوى بعيدا عن الأرقام الرسمية التي تعلنها وزارة الصحة بحكومة الانقلاب كل يوم والتي لا تحظى بأي قدر من المصداقية أو الشفافية في الأوساط المحلية والعالمية. وحتى اليوم يصل عدد الإصابات الرسمية بمصر نحو 19 ألفا لكن الواقع يؤكد أن عدد الإصابات أضعاف ذلك بكثير  وهو ما عبر عنه وزير التعليم العالي يوم الخميس الماضي أمام رئيس الانقلاب نفسه مؤكدا أن عدد الإصابات ربما يصل إلى 71 ألفا وليس الرقم المعلن من الوزارة .

أما دلالة ذلك فهي تأكيد على محاولة تدارك الفشل المستمر بفشل أكبر؛ ذلك أن المتطوعين لا يحظون لا بالخبرة ولا الاحترافية التي تؤهلهم للعمل في مواجهة  عدوى وفيروس فتاك؛ والقبول بهؤلاء المتطوعين يعني رميهم إلى الهلاك بلا ثمن.

لكن تبقى هناك أسئلة كثيرة لماذا تطلب الوزارة متطوعين ولديها جيش جرار من الأطباء يصل إلى 113 ألف طبيب بخلاف 220 ألف من طواقم التمريض وأكثر من 150 ألفًا من الموظفين الإداريين والعاملين والسائقين والحرس  ما يعني أن الوزارة لديها نحو نصف مليون طبيب وممرض وموظف وعامل فلماذا تطلب متطوعين؟ أليس من الأولى التوظيف الجيد والأمثل لهذه الطاقة الهائلة؟ وإذا كان عدد المرضى حتى اليوم لا يزيد عن عشرين ألفا والوزارة لديها كل هذا العدد الهائل من الأطباء والتمريض فلماذا تشكو من نقص العدد؟ وكيف إذا بلغت الإصابات أضعاف ما هي عليه اليوم؟

استقالة الأطباء

تواجه مصر مشكلة كبيرة القطاع الصحي، وهي زيادة عدد الأطباء المستقيلين من وزارة الصحة في الأعوام الماضية الذي وصل عددهم إلى 3000 طبيب تحت سن 35 خلال عام 2018-2019، كما أن إجمالي من أحيل إلى التقاعد بالإضافة إلى عدد المسجلين طبيب حر أكبر من عدد من دخلوا الخدمة بحوالي 1500، أي أن عدد الأطباء بوزارة الصحة اليوم أقل من عدد الأطباء بها عام 2015 بـ1500 تقريبا. ويعد عام 2019 عام الفراغ؛ حيث سجل أدنى عدد أطباء مسجلين وأعلى معدل استقالات.

وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهر تراجعا في أعداد الأطباء البشريين بالمستشفيات الحكومية للمرة الأولى خلال السنوات الأخيرة، وذلك من 102.7 ألف طبيب بشري في عام 2017 إلى 91.3 ألف طبيب بشري في عام 2018.

أين الأطباء المعتقلون؟

ورغم ما تمر به مصر من ظروف قاسية تحت وباءين: الأول باء الاستبداد والطغيان والثاني وباء كورونا، لا يزال مئات من أكفأ أطباء مصر  يرزحون داخل سجون الانقلاب منذ انقلاب 30 يونيو 2013م،  وهم خبرات هائلة يتمتعون بسمعة واسعة ومكانة اجتماعية متميزة يصل عددهم إلى أكثر من 400 طبيب وممرض لكن نظام العسكر يصر على بقائهم في السجون  رغم قدراتهم العالية التي يمكن أن تسهم في مكافحة العدوى!

أطباء الجيش!

أفضت الفلسفة التي تقوم عليها وزارة الصحة بحكومة الانقلاب إلى انتشار الفيروس وعدم احتوائه، وهو ما تؤكده الأرقام المعلنة التي تتزايد باستمرار رغم عمليات  التعتيم والتقنين الممنهج لتقليل عدد الإصابات والوفيات.  ودعوة الوزارة للتطوع تؤكدين أمرين:

الأول: أن قطاع الصحة يعاني فعلا من انهيار تام ولا يستطيع القيام بأعباء جهود المواجهة ومكافحة الوباء في ظل تزايد الإصابات  وتفشي الفيروس في جميع المحافظات وخصوصا القاهرة والجيزة والقليوبية.

الثاني: أن المؤسسة العسكرية  أدارت ظهرها لجهود مكافحة الوباء واكتفت باللقطات التي سوقتها إعلاميا لوحدات الحرب الكيميائية  في عمليات التعقيم والتطهير لمؤسسات الدولة والتي ثبت أنها بيزنس ومقاولة تقاضت مقابلها ملايين الجنيهات، ويبدو أن تفشي الفيروس في عدد من قادة الصف الأول بالجيش دفعته إلى الاهتمام بتأمين قادته ووحداته وعناصره والنأي بهم حتى عن المجتمع نفسه؛ ولذلك تولت الداخلية عمليات حظر التجوال التي بدأت الخميس 26 مارس رغم أن الدستور ينص صراحة على أن تتولى المؤسسة العسكرية القيام بهذا الدور!

المؤسسة العسكرية إذا، تؤكد أنها لا تنشغل إلا بمقدار ما يتحقق لها من مكاسب ونفوذ، أما الأعمال التي تستوجب التضحية والبذل فإنها أبعد ما تكون عن ذلك؛ لأن معظم من انتسبوا إليها إنما أرادوا بذلك السلطة والنفوذ وليس البذل والتضحية، وعندما وضعت المؤسسة أمام اختبار جاد وحقيقي سقطت سقوط مريعا وافتقدت إلى أدنى درجات الوطنية والانتماء رغم أن  قادتها يصرخون ليل نهار بهذه الوطنية الزائفة وهذا الانتماء المصطنع.

ويصل عدد المستشفيات بمصر وفق إحصائيات 2018 للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء “691” مستشفى، بسعة 95.600 سرير، ويصل عدد الأطباء في المستشفيات الحكومية إلى 113 ألفا، (بشري وأسنان) في 2018م، مقابل 124 ألف طبيب في 2017؛ وهو ما يعني تراجع عدد الأطباء في القطاع الحكومي بنسبة 9.3%. فيما بلغ إجمالي عدد مراكز الإسعاف 1464 مركزاً عام 2018 مقابل 1774 عام 2017 بانخفاض 17.5٪. وفيما يتعلق بالقطاع الخاص، أوضح الجهاز أن عدد المستشفيات بلغت 1157 مستشفى عام 2018 مقابل1094 مستشفى عام 2017 بزيادة 5.8٪، وبلغ إجمالي عدد الأسرة فيها 35.3 ألف سرير عام 2018 مقابل 35.9 ألف سرير عام 2017 بانخفاض 1.8٪، وبلغ إجمالي عدد الأطباء 30.7 ألف طبيباً (بشريين/ أسنان) عام 2018 مقابل 26.6 ألف طبيب (بشريين/ أسنان) عام 2017 بزيادة 15.3٪.

Facebook Comments