جاءت تصريحات وزير النقل بحكومة الانقلاب اللواء كامل الوزير، الأربعاء، بأن اتفاقية القرض الخاصة بتوريد 1300 عربة قطار دخلت حيز التنفيذ بداية من 9 أبريل الجاري، وأن شركة “ترانسماش هولدينج” الروسية بدأت في الإنتاج التسلسلي الفعلي لعربات الدرجة الثالثة، وينتظر شحن أول دفعة بنهاية مايو المقبل، لتثير كثيرا من التساؤلات حول طبيعة الصفقة وحجم العمولات والسمسرة التي حصلت عليها قيادات الوزارة من ورائها.

وتستعد الوزارة لاستقبال أول شحنة من عربات القطار التي تنفذها الشركة الروسية بالتحالف مع شركة مجرية، وهي الصفقة الأضخم في تاريخ وزارة النقل المصرية، حيث تتعدى قيمتها 23 مليار جنيه “1.4” مليار دولار”.

وفي 25 سبتمبر2018، وقعت حكومة الانقلاب عقد توريد وتصنيع 1300 عربة سكة حديد جديدة للركاب، مع التحالف الروسي المجري الممثل في شركة “ترانسماش هولدينغ”، والتي تعد الأضخم في تاريخ البلاد.

وبحسب العقد، سيتم تصنيع 500 عربة درجة ثالثة مكيفة و180 درجة ثانية مكيفة و90 عربة درجة أولى مكيفة و30 عربة بوفيه مكيفة و500 عربة درجة ثالثة ذات تهوية ديناميكية.

وبحسب الاتفاق يتم توريد الدفعة الأولى بعد 14 شهرا من تاريخ تفعيل العقد على أن يتم توريد الـ1300 عربة خلال 40 شهرا. وستبني الشركة ورشة جديدة في مصر لعمل العمرات الخاصة بهذه العربات.

ومعلوم أن تاريخ صفقات الحكومة مليء بالعمولات والسمسرة الحرام على حساب الوطن والشعب؛ ففي سنة 2008 استوردت مصر 80 جرارا من شركة جينيرال إلكتريك بتمويل ليبي قطري، ولكن التعاقد لم ينص على قيام الشركة بخدمات الصيانة مما أدى إلى تعطل القطارات وتوقفها بعد عام ونصف فقط من التشغيل، ما يعني أنها كانت صفقة مضروبة من الأساس. وفي عام 2017 قامت الهيئة مرة أخرى بالتعاقد مع نفس الشركة على توريد 100 جرار لكن التعاقد شمل صيانة الجرارات الجديدة والـ80 جرارا المتوقفة منذ أكثر من عشرة أعوام.

الخسائر السنوية

تبلغ إيرادات السكة الحديد سنويا نحو 3 مليارات جنيه، في حين تبلغ المصروفات نحو 6 مليارات جنيه، ذلك بالإضافة إلى فوائد الديون والقروض والتي تقدر بـ4،5 مليار جنيه سنويا على أقل تقدير.

وأوضح هشام عرفات، وزير النقل السابق، أن فوائد الديون لبنك الاستثمار القومي تقدر بـ3 مليارات و650 مليون جنيه سنوية. وقد أشار عبد النبي منصور، رئيس قطاع الحسابات الختامية بوزارة المالية، عن تحقيق الهيئة القومية لسكك حديد مصر لخسائر تُقدر بنحو 10 مليارات جنيه بنهاية السنة المالية 2017/2018. وأوضح منصور، أن خسائر الهيئة القومية لسكك حديد مصر فى العام المالي المذكور تمثل أكثر من 40% من حجم خسائر الهيئات الاقتصادية الخاسرة، والبالغ عددها 16 هيئة، حققت خسائر تُقدر بنحو 23 مليار جنيه.

“150” مليارا من الديون!

بحسب تصريحات وزير النقل السابق هشام عرفات، فإن مديونية الهيئة 60 مليار جنيه، في حين أن الهيئة مدينة لبنك الاستثمار القومي بـ35 مليار جنيه ومدينة لوزارة المالية بـ35 مليار أخرى. لكن أحمد إبراهيم المتحدث الرسمي السابق للوزارة أشار في تصريحات سابقة إلى أن  الديون تصل إلى 100 مليار جنيه.

وبحسب الوزارة نفسها، فإن مديونية الهيئة تقدر بـ60 مليار جنيه، لكن الواقع يؤكد أن مديونية الهيئة الداخلية فقط لوزارة المالية وبنك الاستثمار القومي تقدر بـ75 مليار جنيه (40 مليارا لبنك الاستثمار القومي و35 لوزارة المالية)، في حين أن قرض شراء 1300 عربة جديدة تكلف 22 مليار جنيه، ومثله قرض إنشاء خط سكة حديد (السلام – العاصمة الإدارية – العاشر)، وقرض تمويل 100 جرار تكفل 290 مليون يورو بما يعادل 5،5 مليار جنيه مصري، وقرض البنك الدولي 270 مليون دولار في 2009، و330 مليون دولار في 2011 بما يعادل 10 مليارات جنيه مصري، بالإضافة إلى قروض أخرى.

وبحسب هذه الأرقام، فإن هيئة السكة الحديد تخطت مديونياتها 150 مليار جنيه قابلة للزيادة 10 مليارات سنويا؛ بسبب الخسائر وخدمة الدين، هذا بخلاف المديونية المحتملة جراء تنفيذ مشروع خط سكة حديد العين السخنة العلمين.

عسكرة الوزارة

وزارة النقل من الوزارات التي تم عسكرتها منذ عقود، وكامل الوزير ليس الجنرال الأول الذي يتولى الوزارة في عهد السيسي، فقد تولى اللواء سعد الجيوشي حقيبة النقل في 19 سبتمبر 2015، كما أن رئيس هيئة السكة الحديد الحالي المهندس أشرف رسلان جاء إلى المنصب عقب إقالة السابق اللواء مدحت شوشة، الذي تم استبعاده عقب حادث قطاري الإسكندرية في 13 أغسطس 2017، والذي جاء على خلفية إقالة اللواء أحمد حامد الرئيس الأسبق للهيئة في مارس 2016.

وللوزارة تاريخ طويل من العسكرة والفشل المتواصل؛ فكلما فشل لواء جيء بلواء آخر، وهو ما يمكن وصفه بأنه عدم اكتراث وإصرار على استمرار منظومة الفشل، والأمثلة كثيرة، فمثلا شركة القاهرة للعبارات، ظل اللواء حسين الهرميل رئيسا لمجلس الشركة منذ إنشائها عام 2008 وحتى تمت إقالته عام 2017 بسبب خسائر وديون الشركة، وتم تعيين اللواء شريف الخرش بدلا منه، ثم قام كامل الوزير بإقالة الخرش في مايو من العام الجاري لنفس السبب وهو استمرار الخسائر، وتعيين اللواء بحري محمد طلعت خلفا له.

في أغسطس 2017 بعث الأستاذ عبد الناصر سلامة شكوى لرئيس الانقلاب ينذره من خطر عسكرة وزارة النقل، وقام بتحديد 22 مسؤولا بوزارة النقل قادمين من المؤسسة العسكرية لإدارة المواقع القيادية العليا بوزارة النقل، مشيرا إلى أن هناك عسكريين آخرين لكنه يريد ألا يطيل في الحديث، وأن نواب هؤلاء المسئولين في معظمهم من العسكريين.

هذه الحقائق تكشف فقط أسباب الفساد والإهمال والنهب المتواصل، فالمواطن يشتري توك توك فيربح، لكن الجيش يدير دولة فتخسر وتستدين مئات المليارات، ثم بعد ذلك يقولون إن الجيش يخرج المنضبطين الناجحين.. عن أي نجاح يتحدثون؟.

Facebook Comments