حظي قرار القضاء الإداري التركي بعودة "آيا صوفيا" من متحف إلى مسجد بحفاوة وترحيب واسع في الأوساط التركية التي رأت في القرار وعودة صوت الأذان يصدح من فوق مآزن "آيا صوفيا" عيدا لتركيا وبرهانا على استقلال قرارها السياسي في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان بعيدا عن محاولات فرض الوصاية من أمريكا والغرب من جهة أو روسيا من جهة ثانية والذين حذروا من القرار لكن تركيا تجاهلت كل ذلك في تأكيد على سيادتها واستقلالها.

وكان مصطفى كمال أتاتورك مهندس الانقلاب على الخلافة العثمانية قد أمر بتحويل "آيا صوفيا" من مسجد إلى "متحف" في سنة 1934م، بعد سلسلة من القرارات العلمانية المتطرفة حيث ألغى الأذان واللغة العربية والحجاب وفرض السفور على جميع نساء تركيا وألغى الخلافة وحارب جميع الطقوس الإسلامية؛ الأمر الذي رحبت به الأوساط الغربية والأوروبية ودعمت نظام أتاتورك والعلمانية على مدار قرن كامل.

وأكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن آيا صوفيا سيبقى تراثا إنسانيا، يفتح أبوابه أمام الجميع من مواطنين وأجانب وغير مسلمين. وأضاف في كلمة له عقب قرار المحكمة "مثل جميع مساجدنا، ستفتح أبواب آيا صوفيا أمام الجميع من مواطنين وأجانب وغير مسلمين". وشدد على أن آيا صوفيا سيبقى تراثا مشتركا للإنسانية، وسيواصل احتضان الجميع بشكل أكثر صدقا وأصالة. ودعا أردوغان الجميع إلى احترام القرار الذي اتخذته الهيئات القضائية والتنفيذية في تركيا بخصوص آيا صوفيا، واصفا أي موقف يتجاوز التعبير عن الآراء بأنه "انتهاك للسيادة". وأشار إلى أنه من المخطط افتتاح آيا صوفيا للعبادة يوم 24 يوليو الجاري بإقامة صلاة الجمعة. وذكر أنه سيتم إلغاء رسوم الدخول إلى مسجد آيا صوفيا عقب رفع وضعية المتحف عنه.

ورحبت الأوساط التركية بالقرار باستثناء الأحزاب العلمانية؛ حيث هنأ الرئيس التركي السابق عبدالله غل الأتراك بالخطوة وإلغاء المحكمة الإدارية العليا قرار أتاتورك، وفي تغريدة على حسابه هنأ غُل بإعادة فتح آيا صوفيا للعبادة، قائلا "هذا القرار التاريخي أسعد شعبنا العزيز، وأهنئ كل من ساهم فيه".

بدوره قال رئيس حزب المستقبل أحمد داود أوغلو عبر حسابه في تويتر إن "فتح آيا صوفيا للعبادة هو تحول الشوق الذي دام عشرات الأعوام إلى حقيقة".وأضاف أن "الموقف المسؤول الذي أبدته الحكومة والمعارضة جدير بالتقدير. أطيب التمنيات لرمز الفتح وأمانة الفاتح جامع آيا صوفيا الذي يحوي تراكم حضارة إسطنبول بأسرها".

من جانبها قالت رئيسة حزب "إيي" المعارض مرال أقشنر عبر حسابها في تويتر "مبارك لكم مسجد آيا صوفيا". وهنأ رئيس حزب الديمقراطية والتقدم علي باباجان، عبر حسابه في تويتر، إعادة فتح آيا صوفيا للعبادة. وأضاف "سنبذل قصارى جهدنا لحماية هذا الصرح المعماري الفريد الذي يمثل تراثا تاريخيا مشتركا للبشرية ونقله إلى المستقبل".

رفض أمريكي أوروبي
وكما هو متوقع أغضبت الخطوة التركية العواصم الغربية وعلى رأسها واشنطن وباريس، ووكانت الولايات المتحدة عبرت عن "خيبة أملها" من قرار أنقرة "تحويل" آيا صوفيا إلى مسجد، مطالبة السلطات التركية بأن تكون زيارة هذا المعلم التاريخي متاحة أمام الجميع على قدم المساواة.

وكان وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان أعلن أن بلاده "تأسف لقرار السلطات التركية تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد". وقال لودريان في بيان إن "فرنسا تأسف لقرار مجلس الدولة التركي تعديل وضع متحف آيا صوفيا، ولمرسوم الرئيس أردوغان بوضعه تحت سلطة مديرية الشؤون الدينية. هذان القراران يشكّكان في أحد أكثر الإجراءات رمزية لتركيا العصرية والعلمانية".

وأعلن رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس أن بلاده "تدين بأشدّ العبارات" ما أسماه "تحويل" آيا صوفيا إلى مسجد، محذّرا من أن هذه الخطوة سترتدّ سلبا على العلاقات بين أثينا وأنقرة.

البغضاء على أفواه الانقلابيين
الرفض الغربي مفهوم لكنه الأكثر حيرة ودهشة أن عواصم تحالف الثورات المضادة في القاهرة وأبو ظبي والرياض انحازت للموقف الغربي على حساب الموقف الإسلامي، وكان عباس شومان، الوكيل السابق لشيخ الأزهر قد انتقد الخطوة التركية مدعيا أن ذلك لا يتفق مع الإسلام ويتنافي مع تعاليمه السمحة التي تحترم دور العبادة لكل الأديان؛ متجاهلا أن "آيا صوفيا" كانت تمارس فيه الشعائر الإسلامية لمدة خمسة قرون كاملة قبل أن يحوله الطاغية أتاتورك إلى متحف اتساقا مع توجهات فرض العلمانية على الشعب التركي المسلم.

وكان الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين علي محيي الدين القره داغي قد قال إن قرار إعادة آيا صوفيا إلى مسجد "أخرج أضغان وأحقاد مرضى القلوب من الشرق والغرب". وقال القره داغي في تدوينتين عبر حسابه الرسمي في فيسبوك إن "مساجد المسلمين في الأندلس تحوّلت لكنائس وبارات ونوادٍ ليلية، وتحول مسجد بابري في الهند إلى معبد للأصنام، ويريدون تحويل القدس بكل مقدساتها عاصمةً للصهاينة". وأضاف "لم نسمع بصوتٍ غربيٍ أو شرقيٍ يدين هذه الجرائم، لكن تحويل آيا صوفيا لمسجد، أخرج أضغان وأحقاد مرضى القلوب من الشرق والغرب".

Facebook Comments