كان الدم يُراق في الطرقات والميادين، وكان الذين من المفترض أن يكونوا ضمير الأمة وعينها مشغولين بتمكين من يُريق الدم، يصنعون له البريق، مبتهجين بصعوده فوق جثث وأشلاء من اعتبروهم خصومهم.
كان الحق غريبًا ومحاصرًا، وخافتًا، في ضجيج الهتاف الصاخب للجريمة الكاملة، لا يجرؤ أحد على الدفاع عنه أو إعلانه.. كيف والأمة تقيم الاحتفالات، وتمد موائد الكلام الزور ابتهاجًا بميلاد الزعيم المخلص والقائد الضرورة؟.
قليلون احتفظوا بضمائرهم حية، ولم يسبحوا مع التيار. من هؤلاء، وفي المقدمة منهم، كان الداعية السلفي، الشيخ فوزي السعيد، الذي سمّى الانقلاب انقلابًا، وعرَّف الجريمة بأنها جريمة، ورأى الأبيض أبيض فقال إنه أبيض، ورأى الأسود أسود فلم يقل إنه أبيض، كما فعل شيوخ السلطان من أصحاب العمائم المتسخة بالزيف والكذب وقول الزور.
كان الشيخ في ذلك الصف الناصع في إنسانيته وعدالته واتزانه الفكري واستقامته الروحية والأخلاقية، الصف الذي كان في طليعته نفرٌ من الرجال الحقيقيين في مصر، يتقدمهم الأستاذ الدكتور العلامة نائب شيخ الأزهر ورئيس مجمع اللغة العربية حسن الشافعي، والمناضل الحقوقي اليساري المحامي سيف الإسلام عبد الفتاح، والفقيه الدستوري والقانوني والمفكر الدكتور طارق البشري، ومعهم مجموعاتٌ من العلماء والشيوخ والمثقفين، لم ينخفضوا أو ينحنوا أمام تيار القوي الباطش المتمكن المتغلب.
لا أعرف الكثير عن الشيخ فوزي السعيد الذي رحل في مصر أمس، وهو في العقد السابع من عمره. لم ألتق به، ولم أستمع له، مباشرة، في أيٍّ من المناسبات، ولكني وجدت سرادق عزاء يمتد على الأرض وفي الفضاء الإلكتروني ينعي الرجل، ويبكي فيه البسالة في الحق، والجسارة في طلب العدل، والفدائية في التصدّي للظلم ورفض الباطل.
في سيرة الرجل إنه كان من كبار شيوخ السلفية ودعاتها في مصر، ومؤسس وخطيب مسجد “التوحيد” الشهير في شارع رمسيس، بحي غمرة، في قلب القاهرة. جرى اعتقاله في 2014 لأنه كان ضد انقلاب عبد الفتاح السيسي، لم يهادن ولم يخلد إلى الصمت، اتقاءً للفتنة، كما فعل غيره من الشيوخ الكذبة الذين وصفهم هو نفسه بأنهم “في الفتنة سقطوا”.
وتوفيت ابنته في أثناء وجوده في المعتقل، فلم يسمحوا له بالخروج لدفنها، لكنهم أخرجوه بعد أعوام مصابًا بالفشل الكلوي، واعتلال شديد في صحته، إذ قيل إنه يحيا بربع كلية فقط .. وأخيرًا وافته المنية أمس عن عمر يناهز 75 عامًا.
منذ اللحظة الأول للانقلاب العسكري، كان الشيخ السعيد في المكان الصحيح، والموقف السليم، غير صامتٍ أو ساكت عن الحق، صادحًا بما يجب أن يقال، والذي لخصه العالم الأزهري الجليل حسن الشافعي في بيان عقب مذبحة الحرس الجمهوري، وتضمن نقاطًا هي:
• ما جرى فى 30 يونيو مؤامرة انقلابية كاملة الأركان، من قبل بدء الدكتور مرسى حكمه. • ثورة 25 يناير لن تنسخ ولا تستبدل، فهي قائمة دائمة في قلوب المصريين، ومن يخرجون عليها فاسدون مضللون. • عار على الثوار أن يضعوا أيديهم فى يد الرموز الفاسدة، وإلا فمن يفعل يقامر بمستقبله. • أعرف الفرق بين التدين الصحيح والإرهاب، والمسلمون الآن فى مصر ليسوا إرهابيين. • لا ارضى لجنود مصر أن يتورّطوا فى السياسة، وعليهم أن يسارعوا لحماية الوطن فقط • أرفض ان يظل د. مرسى الرئيس المنتخب حبيسا، ويجب عودته إلى أبنائه. • الاعلام الانقلابى يروج شائعات بأن المتظاهرين حاولوا اقتحام مقر الحرس الجمهوري، وقد وصلت إلي الحقيقة من أكثر من 10 رجال بكذب هذه الادعاءات. • أين حماية المتظاهرين كما حميتم المعارضين من قبل؟.
كانت هذه النقاط واضحةً في مضمونها، وكاشفة للمواقف في ذلك الوقت، ومحل إجماع من الذين رفضوا على نحو مبدئي ممالأة الانقلاب أو تبريره، مختبئين خلف غيوم اللغو الزائف عن أخطاء الرئيس وجماعة الرئيس.
بقي السعيد ثابتًا على موقفه الذي ارتآه صوابًا وحقًا. لم يبدله حسب الأحوال المناخية في السياسة المصرية، على مستويي السلطة والمعارضة. ولم يحك جلده، مثل آخرين، في جدران الذاكرة المطاطية التي تستجيب لما تقذف به أمواج اللحظة الراهنة، فتتراقص على إيقاعاتٍ متناقضة، حتى يتساقط منها الكذب المطلي بقشرة الموضوعية المزيفة، والمخبأ في أبخرة المراجعات والشهادات المنحرفة.
عاش رجلًا ومات رجلًا، مجسّدًا معنى أن الثورة موقفٌ أخلاقي، وليست استثمارًا في المضمون وفقًا لقوانين السوق، فكان الفائز.. رحل صامدًا، فغمرته أمواجٌ من المحبة والدعاء الصادق.
نقلاً عن “العربي الجديد”

Facebook Comments