نشرت صحيفة "فورين بوليسي" مقالا للدكتور محمد هلال، الأستاذ الزائر بكلية الحقوق بجامعة هارفارد وأستاذ مساعد في كلية موريتز للقانون بجامعة ولاية أوهايو سلط خلاله الضوء على أزمة سد النهضة وتداعياتها على منطقة شرق إفريقيا.

وحسب المقال الذي ترجمته "الحرية والعدالة"، فإنه ما دامت إثيوبيا تستخدم سد النهضة كأداة للسيطرة على نهر النيل الأزرق، فإن المفاوضات محكوم عليها بالفشل.

ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، كانت مصر وإثيوبيا والسودان يتفاوضون بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير. وللأسف، لم تؤد هذه المفاوضات إلى اتفاق وقد كُتبت تقارير فنية، وصدرت عشرات البيانات، وعقدت مئات الاجتماعات مع رؤساء الدول والحكومات، ووزراء الخارجية والمياه، والهيدرولوجيا والمهندسين، والمحامين والمتقاضين، والوسطاء الأجانب والمراقبين الدوليين. ومع ذلك، لا يوجد سوى القليل – بصرف النظر عن معاهدة عام 2015 التي وفرت إطارًا قانونيًا لتنظيم المفاوضات – لإظهار هذه الضجة الدبلوماسية.

والسبب في فشل هذه الجهود هو أن هناك تباينا جوهريا بشأن الغرض من هذه المفاوضات تسعى مصر إلى التوصل إلى اتفاق يستند إلى مقابل بسيط ومفيد للطرفين: ينبغي أن تكون إثيوبيا قادرة على توليد الطاقة الكهرومائية من السد مع تقليل الضرر الذي يلحق بالمجتمعات المحلية في مصر والسودان بيد أن هدف إثيوبيا هو استغلال هذه المفاوضات لتأكيد سيطرتها على نهر النيل الأزرق، أكبر روافد نهر النيل، وإعادة تشكيل التضاريس السياسية لحوض النيل.

إن اللغز الكلاسيكي للمجاري المائية العابرة للحدود هو أن دول المصب، بما فيها من وديان خصبة ودلتا وفيرة، كثيرا ما تبني اقتصاديات متطورة قائمة على الأنهار المائية قبل أن تبدأ دول أعلى المجرى الجبلية في تطوير الحاجة والقدرة على استغلال هذه الموارد الطبيعية المشتركة، وهذا صحيح بصفة خاصة في حوض النيل لقد كانت مصر، التي تعد أساسا واحة صحراوية يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة، تعتمد اعتمادا كليا على نهر النيل في بقائها وإثيوبيا، من ناحية أخرى، بلد غني بالمياه في أعلى المجرى، وقد بدأ مؤخرا في استخدام أنهاره الكثيرة العابرة للحدود كعربات للتنمية من خلال بناء سدود للطاقة الكهرومائية.

إن التوفيق بين احتياجات إثيوبيا الإنمائية وحتمية مصر للبقاء ليس تحديًا لا يمكن التغلب عليه، بيد أن المأزق هو أن التطورات في المراحل الأولى من العمل تؤثر دائما على دول المصب ويمكن أن تعرض ملايين الناس للآثار المدمرة لنقص المياه، وهذا الخطر حاد بشكل خاص في حالة الـ GERD، الذي سيكون عند اكتمال البناء أكبر سد للطاقة الكهرومائية في إفريقيا بسعة تخزينية تزيد عن ضعف قدرة سد هوفر في الولايات المتحدة.

وإذا تم شغلها وتشغيلها دون اتفاق مع مصر والسودان، فقد يكون لـ "سد النهضة" آثار كارثية على سبل عيش المجتمعات المحلية في المصب، وفي الواقع، عندما بدأت إثيوبيا من جانب واحد في ملء السد في يوليو من خلال الحجز السريع لما يقرب من 5 مليارات متر مكعب من المياه، شهد السودان اضطرابات في شبكات إمدادات مياه الشرب ومرافق إنتاج الطاقة الكهرومائية (وكدليل على تزايد القلق بشأن قرار إثيوبيا بملء السد وعدم إحراز تقدم في المفاوضات، أعلنت الولايات المتحدة عن "وقف مؤقت" لجزء من المساعدات الأمريكية لإثيوبيا).

إن التوفيق بين احتياجات إثيوبيا الإنمائية وحتمية مصر للبقاء ليس تحديًا لا يمكن التغلب عليه. وفي فبراير، توسطت الولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق لم يفعل ذلك، ومكّنت إثيوبيا من توليد الطاقة الكهرمائية من السد على وجه السرعة وبشكل مستدام مع الحد من الآثار الضارة للسد.

ومع ذلك، وفي حين قبلت مصر هذا الاتفاق بالأحرف الأولى، رفضته إثيوبيا ومنذ ذلك الحين، كانت هناك جولتين من المفاوضات بين مصر وإثيوبيا والسودان، حضرهما مراقبون من الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وخلال هذه المحادثات، اقترحت مصر والسودان حلولًا متعددة تستند إلى صيغة مربحة للجانبين لضمان إنتاج السد للطاقة الكهرومائية مع تقليل آثاره السلبية إلى أدنى حد، ومع ذلك، لا تزال إثيوبيا عنيدة.

والسبب هو أن هذه المفاوضات بالنسبة لإثيوبيا هي أكثر بكثير من السد وقيمته الاقتصادية والواقع أن السد أداة في محاولة إثيوبية لممارسة السيطرة غير المقيدة على نهر النيل الأزرق، وتحرير نفسها من قيود القانون الدولي التي تنطبق على جميع الدول المشاطئة التي تتقاسم المجاري المائية الدولية، وإجبار مصر والسودان على تقسيم مياه النيل بشروط إثيوبيا.

وقد انعكست هذه الدوافع في مقترحات إثيوبيا طوال المفاوضات هذا العام، مثل النص الذي أرسلته إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي في يونيو وتُظهر هذه المقترحات أن إثيوبيا غير راغبة في إبرام اتفاق ملزم قانونًا– بل إنها رفضت أن تسمي الصك الذي يجري التفاوض عليه "اتفاقًا". كما رفضت إدراج أي آلية ملزمة لتسوية المنازعات واقترحت بدلا من ذلك حل الخلافات عن طريق التفاوض والوساطة.

في غضون ذلك، تطالب الحكومة الإثيوبية مصر والسودان بالتوقيع على وثيقة تمنحها الحق في تعديل شروط اتفاق بشأن اتفاقية السد من جانب واحد وهي تصر على أن أي اتفاق من هذا القبيل ينبغي أن يعطي إثيوبيا الحق المطلق في الاضطلاع بمزيد من المشاريع الإنمائية وتغيير اتفاق السد لاستيعاب هذه المنشآت المائية الجديدة في المستقبل، ومع ذلك، فإن ذلك يتطلب فعليًا من مصر والسودان أن يوقعا على حقوقهما في ضفتي النهر وأن يحولا نفسيهما إلى رهائن هيدرولوجيين في إثيوبيا.

كما تقول إثيوبيا إنه يجب على مصر والسودان الانضمام إلى اتفاقية الإطار التعاوني، وهي معاهدة غير فعالة ومثيرة للانقسام تم تصميمها قبل عقد من الزمان لإدارة مياه النيل، لكنها افتقرت منذ ذلك الحين إلى الدعم المطلوب للدخول حيز التنفيذ وعلاوة على ذلك، تصر إثيوبيا على ضرورة إنهاء أي اتفاق بشأن السد إذا لم توافق مصر والسودان على توزيع حصص محددة من مياه النيل على دول النيل الأبيض، الرافد الرئيسي الآخر لنهر النيل، خلال عقد من الزمن، على الرغم من أن نهر النيل الأبيض لا يتدفق عبر إثيوبيا نفسها.

باختصار، تسعى إثيوبيا إلى إنشاء جداول هيدرولوجية من خلال إملاء توزيع مياه النهر وعدم الاكتراث بحقائق الجغرافيا التي جعلت بقاء مصر يعتمد على النيل.

ومن ناحية أخرى، كان موقف مصر مبدئيًا وعمليا، ويعترف بحق إثيوبيا غير القابل للتصرف في التمتع بفوائد نهر النيل الأزرق وفي الاضطلاع بمشاريع إنمائية في المستقبل، ومع ذلك، تعتقد مصر أن القانون الدولي ينبغي أن يحكم أي مشاريع مستقبلية على النيل الأزرق.

وعلاوة على ذلك، تدرك مصر أنه سيكون من المستحيل، في هذه المفاوضات حول السد، التغلب على عقود من الخلافات حول البنية التحتية القانونية والمؤسسية التي تحكم حوض النيل ولذلك، فإن مصر تسعى إلى تحقيق ما يمكن تحقيقه من خلال العمل على التوصل إلى اتفاق حصري بشأن السد وسيكون هذا الاتفاق التقني الذي ينظم مشروعا واحدا على رافد واحد من نهر النيل من خلال تحديد تفاصيل ملء وتشغيل السد ولن يُحَلّل حق إثيوبيا في الاضطلاع بمشاريع إنمائية في المستقبل ولن يقوض الحقوق النهرية لدول المصب كما أنه من شأنه أن يتجاوز القضايا المستعصية، مثل الاتفاق الإطاري التعاوني، التي أربكت حوض النيل لعقود.

إن التصرف كما لو أن إدارة المجرى المائي الدولي لعبة محصلتها صفر لا يمكن الدفاع عنها وينبغي ألا تسعى إثيوبيا إلى فرض أمر واقع أو استغلال ثروات النهر عن طريق الإملاء ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تأجيج التوترات وتقويض الاستقرار في جميع أنحاء شرق إفريقيا ومن أجل الحفاظ على السلام في منطقة مضطربة بالفعل، يتعين على مصر وإثيوبيا والسودان تجنب سيناريو تهدد فيه دولة واحدة وجود مجتمعات في المصب أو تحول السد إلى سيف داموكلين.

ويتعين على الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حث الأطراف على ممارسة المرونة وتشجيع إثيوبيا على إبرام اتفاقية ملزمة قانونًا تمكن البلاد من تحقيق عائد على استثماراتها في السد مع حماية مجتمعات المصب ومن شأن هذا الاتفاق أن يبني الثقة والاطمئنان، مما يرسي الأسس لتعاون أوسع نطاقا في مشاريع التنمية في حوض النيل في المستقبل.

اضغط لقراءة التقرير

Facebook Comments