كتب: سيد توكل

"الرصاص رصاصهم والإعلام إعلامهم.. فهل نصدق روايتهم؟"، سؤال يطرحه المراقبون بعد "فيلم" سلطات الانقلاب الأخير عن فرار بعض الأبرياء المعتقلين في هزلية "كتائب حلوان" من سيارة ترحيلات الأوتوستراد، بكسر قفل بابها ، فيما تراجعت حبكة الأكشن التي أضافها إعلام "MBC2" بإطلاق النار على السيارة من طرف ثالث كان ينتظر الصيد الثمين!
إلى هنا والرواية واحدة هي رواية الجلاد القاتل ولا مصدر آخر يؤكد أو يكذب، حتى الهاربين أنفسهم بعدما قيل أنه تم القبض على ثلاثة منهم، لم يلتق بهم محاموهم ولم يعرف احد صدق الرواية التي نسجتها سلطات الانقلاب حولهم، فهل فعلا قاموا بالهرب؟، وهل كان أحد ينتظرهم، ومن سهل لهم الهروب في حين أن الحراسة مشددة كالعادة والميلشيات لديها أوامر بإطلاق الرصاص لو وقفت عصفورة تستريح فوق سطح سيارة الترحيلات؟

وهنا ننقل إحدى روايات سلطات الانقلاب التي تروجها لحاجة في نفس يعقوب، وحتى تجني من ورائها منافع ليس أقل من تبرير القمع والتعذيب بحق السجناء السياسيين ورافضي الانقلاب، ومنع زيارات الأهالي عنهم وحرمانهم من حقوقهم التي أقرتها المنظمات وقوانين حقوق الإنسان، أو على أقل تقدير تبرير ملف الانتهاكات والقمع الذي بموجبه قام ترامب بتخفيض المعونة الأمريكية عن نظام انقلاب 3 يوليو، وفي الرواية الرسمية للانقلاب يصرح أحد مصادر الأمن لوكالة أنباء الشرق الأوسط -حكومية- أنه أثناء مرور سيارة الترحيلات بطريق الأوتوستراد بمنطقة صقر قريش، قام المحتجزون بالسيارة بكسر قفل بابها لمحاولة الهرب!

هكذا أتتهم الفكرة التي لا تصلح مقطع كوميدي في سلسلة أفلام الكرتون "توم وجيري" وهكذا نفذوها، وإمعاناً في التزوير والكذب يضيف المصدر "الأمني" المجهول، بأن 5 من المحتجزين تمكنوا من الهرب رغم سرعة السيارة على الإسفلت ورغم القوة المدججة بالسلاح التي تحرسها من الأمام ومن الخلف، وللخروج من سقطات الرواية وشروخ الحكاية والكذب الفاقع، أكد المصدر الأمني المجهول بأن قوة سيارة الترحيلات نجحت في ضبط اثنين منهم، فيما تمكن متهمين اثنين من الهرب، لكنه لم يقل هل نبت لهما جناحين وحلقا عاليا في الهواء، أم هبطت طائرة هيلكوبتر تركية أو قطرية أو حتى تنتمي لكوكب زحل وقامت بانتشالهما وفرت بين السحاب، بينما وقفت القوة الأمنية تشاهد ذلك كله وتلتهم اللب والسوداني والفوشار.

اتهرس في 100 فيلم
الغريب أن الراوية التي تقدمها سلطات الانقلاب واهية وساقطة علاوة عن أنها اتهرست في مائة فيلم قديم، أشهر تلك الأفلام "الهروب" الذي قام ببطولته الفنان الراحل أحمد زكي، ويحكي قصة الشاب الصعيدي منتصر الذي وقع فريسة السلطة الفاسدة لتحوله إلى سفاح تلهي قصته الرأي العام، وتسحب الأنظار عن قضية فساد كبرى تورطت فيها الحكومة.
وبالعودة إلى رواية "فيلم" سلطات الانقلاب الجديد، حاولت نيابة البساتين أن تقدم رواية منطقية، لا يرفضها العقل ولا تثير سخرية المراقبين، وتفتق ذهنها عن قصة مفادها أن السجناء الـ 7 أحدثوا حالة من الفوضى داخل سيارة الترحيلات، وعندها أوقف الضابط المشرف على المأمورية السيارة ونزل مع سائقها، وأثناء معاينة السجناء للوقوف على أسباب الفوضى، تمكن أحدهم من دفع الضابط – المسكين- الذي كان ممسكا بسلاحه الميري في يديه، مستعدا لإطلاق الرصاص "في الهواء" للسيطرة على الموقف، لتستقر إحدى الطلقات في كتفه!

وخرج أحد زبانية سلطات الانقلاب اللواء أشرف أمين، يلطم ويولول في الإعلام ويطالب بمزيد من قمع المعتقلين وانتهاك حقوقهم الإنسانية، مقترحاً تشديد خطط التأمين الخاصة بحراستهم أكثر مما هي مشددة، وقمعهم وحرمانهم وربما قتلهم تحت مبرر منعهم من الهرب أثناء ترحيلهم، ودعا سلطات الانقلاب إلى التفكير بحلول مبتكرة ومتطورة للقمع والانتهاكات.
وقال "أمين" أن :"هذا الأمر ليس بالهين ما يلقى حملًا ماديًا كبيرًا على وزارة الداخلية، لنقل هؤلاء المتهمين إلى محبسهم وللمحاكم لنظر جلساتهم".
هل تذكرون أبو زعبل؟
"العرق يتصبب، والخناق يضيق على أنفاسهم، وقفوا على قدم واحدة، لكن غالبهم فقدان للوعي فسقطوا مغشيًا عليهم، صارعوا الحياة ونازعوا الموت؛ لكنهم في النهاية ماتوا جميعًا".. هكذا واجه 37مواطنًا مصريًا الموت حرقًا داخل سيارة الترحيلات، فضلاً عن إصابة 8آخرين، تورطت فيها الشرطة نتيجة الإهمال، وذلك بعد 4 أيام من فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة.

ويخشى مراقبون أن تكون سلطات الانقلاب تحضر لجريمة بحق المعتقلين على نفس المنوال، أو أنها بصدد ارتكاب تفجير أو ما شابه وتحتاج إلى ضحية تحملها الجريمة وتتهمها بالإرهاب، وتقوم بمطاردتها، والهاء الرأي العام وإشغاله بتلك القضايا المفتعلة، وفي النهاية تقوم سلطات الانقلاب بقتل الضحايا الأبرياء الذين تحتفظ بهم، على طريقة خطف النشطاء وإخفائهم وقتلهم فيما بعد، وهو ما بات يعرف بالاختفاء القسري.

ولم تغب عن الذاكرة حكم قضت به محكمة جنح مستأنف الخانكة، بالسجن 5 سنوات مع الشغل على المتهم الأول في المذبحة المعروفة بـ"سيارة ترحيلات أبو زعبل" المقدم عمرو فاروق نائب مأمور قسم مصر الجديدة، وحبس النقيب إبراهيم المرسي، والملازمين إسلام حلمي، ومحمد يحيى، على خلفية مسئوليتهم عن قتل 45 من المحتجزين بالاختناق في أغسطس 2013 أثناء نقلهم في عربة ترحيلات إلى سجن أبو زعبل، بعد أن أطلقت قوات الشرطة قنبلة غاز بداخل العربة، التي صممت لتقل 24 شخصاً فقط، وظلوا بداخلها لعدة ساعات، وهو ما أدى إلى استشهاد 37 منهم.
وانتقد الإعلامي معتز مطر الحكم الصادر على المتهمين بقتل 37 شخصًا وإصابة 8 آخرين من معارضي الانقلاب داخل سيارة ترحيلات سجن أبو زعبل، وعبر حسابه على موقع "تويتر"، كتب: "5 سنوات سجن..هي ثمن أرواح 37 بني آدم أزهقت في سيارة الترحيلات"، وأضاف: "انه الجنون والظلم والحضيض والمستنقع الذي يأبى البعض أن يعترف به ..الله غالب".
فيما يقول المحامي والحقوقي عمرو عبد السلام، نائب رئيس منظمة الحق الدولية لحقوق الإنسان : "في هذا اليوم أزهقت 37 نفسًا بريئة بغير ذنب قتلوا غدرا مكبلين بالأغلال لم يستطيعوا دفع الضرر عن أنفسهم".

Facebook Comments