فى الذكرى السابعة لمذبحة رابعة العدوية والنهضة يتساءل البعض إذا كان الغرب الديمقراطى يدرك يقينا أن قائد الانقلاب الدموى عبد الفتاح السيسي قاتل ومجرم وديكتاتور وسفاح فلماذا يدعمه ويؤيده رغم الرفض الشعبى الكبير لانقلابه على الرئيس الشرعى الشهيد محمد مرسى فى 3 يوليو 2013؟ وماذا يقدم السيسي للغرب فى المقابل حتى يتجاهل إجرامه؟ وهل الشعب المصرى فى النهاية هو الذى يدفع الثمن لعدم احتجاجه وثورته على هذا الظلم والإجرام؟

الغرب لا يتجاهل اجرام السيسي فحسب بل يتجاهل المظالبات غير الرسمية الحقوقية والشعبية فى أوروبا وأمريكا والتى تطالبه بوقف دعمه للسيسي ومنع تصدير السلاح لنظامه الانقلابى وهو ما يثير الكثير من التساؤلات.. يشار إلى أنه في 14 أغسطس 2013، شهدت مصر أكبر مذبحة فى تاريخها حيث قتل نظام العسكر الآلاف وأصاب عشرات الآلاف من رافضي الانقلاب ومؤيدى الرئيس محمد مرسى المعتصمين فى ميدان رابعة العدوية وميدان النهضة وبعض ميادين الجمهورية.

حملات شعبية
كان نحو 50 أكاديميا وناشطا ومنظمة أهلية من دول مختلفة حول العالم قد دشنوا حملة في مدينة نيويورك الأمريكية، لجمع توقيعات تهدف إلى وقف الدعم الدولي لنظام السيسي لما ارتكبه من انتهاكات ضد المصريين.
وطالب الناشطون المؤسسات الدولية والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي– بوقف كافة أشكال الدعم المقدمة للسيسي، واتخاذ خطوات ملموسة في هذا الشأن. واعتبر القائمون على الحملة أن السكوت حيال ما يرتكبه نظام العسكر وتقديم العون الخارجي له، كان له بالغ الأثر في ارتكاب جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان في البلاد مطالبين بالأخذ في الاعتبار نتائج دعم نظام السيسي وآثاره على الشعب.

كما طالبوا بإدانة المجازر التي ارتكبت بيد دولة العسكر بسحب كافة أشكال الدعم للنظام. يشار الى أن هذه الحملة ليست الأولى من نوعها فقد نظمت أحزاب وجمعيات حقوقية فرنسية حملة ضد قرار باريس بيع طائرات مقاتلة من طراز “رافال” معتبرة ذلك “عارا” على جبين فرنسا. كما وجهت أحزاب ومنظمات حقوقية دولية معروفة انتقادات للانتهاكات الحقوقية والمجازر التى ارتكبها نظام السيسي في مصر. واتهمت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا سلطات العسكر بتصفية المعارضة.

فاتورة السيسي
من جانبه تساءل مارتين جيهلين مراسل صحيفة فرانكفورتر روند شاو الألمانية بالقاهرة هل ستستمر ألمانيا ودول الاتحاد الأوروبي في سياستها المهادنة تجاه السيسي من خلال البيانات الصحفية المتضمنة انتقادات خفيفة، والزيارات التي تتم بصمت، وصفقات السلاح الضخمة.

وقال مراسل فرانكفورتر روند شاو فى تصريحات صحفية إن الاستراتيجية الوحشية التي يتبعها نظام السيسي لم تعد الآن بأي حال شأنا خاصا بمصر وحدها، لأن سجون العسكر المكتظة عن آخرها بالمعتقلين السياسيين، أصبحت مفرخة لأفواج جديدة من الأحرار، وحملة الغضب الأعمى التي أطلقها الجيش المصري ضد جميع سكان شبه جزيرة سيناء، لن تؤدي إلا لمزيد من اليأس والتعطش للانتقام والتطرف.

وأكد أن نظاما كالذي يقوده السيسي لم يعد مسموحا لشركائه بالتعامل معه، وكأن شيئا لم يحدث منه، محذرا من أن الفاتورة المثقلة “لأعماله الوحشية” قادمة لا محالة وسوف تصل لأوروبا أيضا.

جريمة أوروبية
وانتقد البروفيسور أودوشتاينباخ خبير ألماني بقضايا العالم العربي الصمت الأوروبي الرسمي تجاه مجزرة رابعة العدوية. واعتبر أن أوروبا شاركت في هذه المجزرة وفى انتهاكات حقوق الإنسان بمصر خلال السنوات الأخيرة، عبر تأييدها انقلاب عبد الفتاح السيسي في صيف 2013 على رئيسه المنتخب محمد مرسي، ودعمها وصول السيسي للسلطة.

وأكد شتاينباخ في تصريحات صحفية إن فض اعتصام رابعة العدوية من البداية، مذبحة وإجراء يهدف إلى توطيد سلطة الانقلاب الذي نفذه الجيش، وأعرب عن أسفه لأن الاتحاد الأوروبي لم يفتح أبواب دوله أمام السيسي وعقد الصفقات معه فحسب، يل تعامل مع نظامه بشكل طبيعي وصمت على انتهاكاته غير المسبوقة لحقوق الإنسان.

وقال الخبير الألماني إن الدول الأوروبية، ومن بينها ألمانيا، تدرك أن السيسي يقود سلطة قمعية هوت بمصر لدرك سياسي واقتصادي سحيق فاق بسوء إدارته وقمعه كل ما فعله نظام المخلوع حسني مبارك.
وكشف شتاينباخ أن الغرب لم يعد مهتما بممارسة أي ضغط على السيسي للسير بمصر باتجاه الديمقراطية، مؤكدا أن العواصم الأوروبية تعرف أنه لا مجال أساسا للسؤال عن تحقيق انفتاح سياسي ومصالحة مجتمعية في بلد يحكمه نظام عسكري بالحديد والنار.

حقوق الإنسان

وقال الدكتور شتيفان رول نائب رئيس وحدة الشرق الأوسط بالمؤسسة الألمانية للدراسات السياسية والأمنية إن العواصم الأوروبية –ومن بينها برلين- لم تصدر منها إدانة تذكر لمجزرة رابعة العدوية، مشيرا إلى أن هذه الدول بدلا من سحب سفرائها من القاهرة كإدانة رمزية للمجزرة، سارعت بتطبيع علاقاتها خلال وقت وجيز مع نظام السيسي.

وأكد الباحث الألماني فى تصريحات صحفية أن مجزرة رابعة أظهرت بوضوح عدم مبالاة أجهزة أمن الانقلاب بسقوط أعداد هائلة من الضحايا عند فضها الاحتجاجات، وأشار إلى أن تداعيات هذه المجزرة ما زالت تعكس حتى اليوم أن أي معارضة لقيادة السيسي هي مجازفة بالحياة.
وكشف رول أنه طالب الحكومة الألمانية منذ وقت طويل بإعطاء وزن كبير لاحترام حقوق الإنسان في علاقتها مع نظام العسكر، مؤكدا أن السيسي رسخ نظامه معتمدا على القمع الأمني الشديد وغض الخارج الطرف عن سياساته الاجرامية رغم فشله في تحقيق أي تنمية اقتصادية لمواجهة السخط المتزايد.

سياسة رسمية
وقال لؤي المدهون باحث بجامعة كولونيا الألمانية إن عدم تنديد الدول الأوروبية بمجزرة رابعة مرتبط بمجمل مواقفها تجاه دولة العسكر بعد انقلاب يوليو 2013. وأشار المدهون في تصريحات صحفية إلى أن عدم وجود سياسة ألمانية رسمية محددة للتعامل مع نظام السيسي، يقابله رفض أحزاب المعارضة ومنظمات المجتمع المدني استقبال السيسي والتعاون معه، وتنديد وسائل الإعلام الألمانية بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر.

وأوضح أن العلاقات الأوروبية مع دولة العسكر محكومة بالحفاظ على علاقة مع هذا البلد العربي مهما كان النظام القائم فيه، وبالتعاون الاقتصادي. وأشار المدهون إلى أن هذه العلاقات تأثرت مؤخرا بمتغيرين جديدين: صعود اليمين المتطرف بعدد من الدول الأوروبية، خاصة إيطاليا، وموجات الهجرة وتقديم السيسي نفسه كضمانة ضد وصول طالبي اللجوء والمهاجرين الى أوروبا.

تعامل براجماتي
وقالت هيلين ميشو باحثة بريطانية متخصصة في الشأن المصري إن مصر أصبحت بعد سنوات من انقلاب السيسي بلدا غير آمن لعمل المؤسسات البحثية الدولية. وانتقدت الباحثة فى تصريحات صحفية ما اعتبرته تعاملا براجماتيا من جانب الدول الغربية مع نظام السيسي.

وأشارت إلى تميز السياسيين الألمان عن أقرانهم الأوروبيين بإدراكهم حدة الأزمة التي أوصل السيسي مصر إليها وورط فيها المصريين. وانتقدت هيلين عدم استخدام دول الاتحاد الأوروبى ثقلها للضغط على نظام العسكر من أجل تحسين أوضاع حقوق الإنسان، والحث على تحقيق انفتاح سياسي بمصر.

Facebook Comments