كتب – سيد توكل:   يعتبر العالم أن ظاهرة الاختفاء القسري أصبحت جزءًا من التاريخ، وأنها لا توجد إلا نادرا في أي بلد، لذلك يتم الاحتفاء في مثل هذا اليوم من كل عام، في 30 أغسطس، بـ"اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري".   إلا أن في "مصر المحروسة" يختلف الوضع تماما؛ حيث تظل مصر التي نكبت بعسكر 30 يونيو تحتفي بتكريس الجريمة وزيادة عدد المختطفين قسريًا على يد عصابات أجهزة أمن الانقلاب.   وتستمر سلطات الانقلاب في ممارسة مهمة اختطاف المعارضين للانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي وإخفائهم قسريًا، حتى بات هذا الأمر إستراتيجية لبث الرعب بين أفراد المجتمع وليس المعارضين للسلطات فحسب، وذلك لإرهاب المعارضين بشكلٍ أو بآخر لينصاعوا لأوامر سلطات الانقلاب مهما بلغت ديكتاتوريتها، خاصة وأن المختفين قسريًا يتعرضون لأشكال مهولة من التعذيب قد تودي في النهاية إلى موتهم، كما حدث لعشرات الأشخاص مؤخرًا.   منظمة "هيومن رايتس مونيتور" بدورها طالبت سلطات الانقلاب بالاعتراف بالاتفاقية التي تغض الطرف عنها، والتي تعرف باسم "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري"، والتي نشرت على الملأ، وفتحت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 61/177المؤرخ في 20 ديسمبر 2006.   تجاهل الانقلاب   وتشير "مونيتور" إلى أن رابطة الاختطاف والاختفاء القسري طالبت سلطات الانقلاب الاعتراف بالاتفاقية والتوقيع عليها مرارًا، ووجه آخر تلك النداءات مؤسس الرابطة إبرام لويس في 30 أغسطس 2014، والذي تزامن مع اليوم الذي أقرت فيه الولايات المتحدة هذه الاتفاقية عليها، ليكون يومًا دوليًا لضحايا الاختفاء القسري اعتبارًا من العام 2011.   تلك الاتفاقية عرّفت الاختفاء القسري على أنه الاعتقال أو الاحتجاز أو الاختطاف أو أي شكلٍ من أشكال الحرمان من الحرية يتم على أيدي موظفي الدولة، أو أشخاص أو مجموعات من الأفراد يتصرفون بإذنٍ أو دعمٍ من الدولة أو بموافقتها، ويعقبه رفض الاعتراف بحرمان الشخص من حريته أو إخفاء مصير الشخص المختفي أو مكان وجوده، مما يُحرمه من حماية القانون.   ورغم نكران سلطات الانقلاب تلك الاتفاقية ورفضها التوقيع عليها إلا أن بعض القوانين المصرية الداخلية تطرقت لها، مثل قانون الإجراءات الجنائية فتحدثت المواد40، 42، 43  على عدم جواز القبض على شخص أو حبسه إلا بأمر من السلطات المختصة، مع  عدم جواز حبس مواطن إلا في السجون، كما أن قانون العقوبات اشترط في مادته 280 معاقبة المخالف لشروط القبض على المواطنين، وغيرها من المواد المتعلقة بضمان حرية وأمن وكرامة المواطن المصري، ووجوب التزام الدولة بتوفيرها للمواطن ومعاقبة المتسبب في حرمانه من تلك الحقوق.   كما أن "العهد الدولي لحقوق الإنسان" السياسية والاقتصادية وبرتوكوله الخاص، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكدا في عدد من مواده أن لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه، ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفًا، وتلك الاتفاقيات كانت مصر قد وقعت عليها سلفًا، ما يقتضي عليها الالتزام بموادهما.   #بناتك_فين_يا _مصر    تشير المنظمة الحقوقية إلى إعدادها في وقت سابق تقرير نصف سنوي عن حالات الاختفاء القسري التي وقعت في مصر خلال النصف الأول من العام 2015، بعنوان "الاختفاء القسري  الممنهج جريمة ضد الإنسانية"، وعرض التقرير 582 حالة اختفاء خلال النصف الأول لعام 2015، شمل هذا العدد نحو 378 رجل، وأكد التقرير تعرض 23 سيدة وفتاه للاختفاء القسري، بالإضافة إلى 56 قاصرًا، و128 طالب وطالبة.   ورصدت المنظمة أيضًا خلال التقرير 41 حالة اختفاء قسري خلال مطلع هذا العام في شهر يناير، بينما رصدت في فبراير 62 حالة، وفي مارس كان هناك نحو 60 حالة اختفاء قسري تمت على يد الشرطة المصرية، وخلال شهر أبريل اختطف نحو 114 مواطنًا، وشهد شهر مايو 216 حالة اختفاء قسري، ووثق التقرير 82 حالة اختفاء قسري خلال الشهر السادس من العام الجاري.   هذا بالطبع بالإضافة إلى مئات الأشخاص الذين ظلوا مختفين لأيام وشهور حتى ظهروا في المعتقلات والذين تقدر أعدادهم في بعض التقارير بـ 1250 حالة.   تعذيب وقتل   كما تلفت المنظمة القول إلى وجود أكثر من 100 شخص مازالوا رهن الاختفاء القسري منذ انقلاب الجيش في 3 يوليو على الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي، ورغم تقديم المنظمة العديد من الشكاوى عن حالات الاختفاء القسري إلى فريق العمل المعني بالاختفاء القسري والغير طوعي بالأمم المتحدة، إلا أنه لم يتم إجلاء مصير هؤلاء الضحايا.   ومن جانبها، تشير منظمة هيومن رايتس مونيتور إلى أن الضحايا الذين يتعرضون للاختفاء القسري كثيرًا ما يتعرضون للتعذيب المبرح، وقد وثقت المنظمة عشرات الانتهاكات التي يلقاها المختطفون قسريًا، وتؤكد المنظمة كذلك قيام عصابة الانقلاب باعتقال بعض المواطنين وإخفائهم لإجبار ذويهم على تسليم أنفسهم للشرطة،  وأيضًا اختطاف أكثر من فرد من أفراد الأسرة الواحدة.   المنظمة وثقت عددًا من الحالات لمختفين قسريًا يتعرضون للقتل بعد اختطاف الأجهزة الأمنية لهم :   فمؤخرًا لقي الصحفي الحر "علاء أحمد سليم – 31 عامًا" حتفه بتاريخ 10 أغسطس،  بعد اختطاف قوات الأمن له من منزله بمدينة العريش وإخفائه قسريًا لـ 10 أيام، وبعد انقضاء الأيام العشرة على اختفائه تفاجئت الأسرة بجثمانه يبدو عليها آثار تعذيب وطلقات نيران، وتؤكد زوجة الصحفي أن الكتيبة 101 في الجيش هي من قامت باعتقاله واتهمتها بقتله.   سبق ذلك قيام الأجهزة الأمنية باعتقال الطالب بكلية الهندسة بجامعة عين شمس"إسلام صلاح الدين عطيتو – 22 عامًا" من لجنة الامتحان بكليته على يد قوة أمنية بلباسٍ مدني بتاريخ 19 مايو واقتياده إلى مكان مجهول، وفي اليوم التالي تفاجئت المنظمة عن مقتل الطالب بتاريخ 20 مايو على يد الأجهزة الأمنية، وتأليف رواية خاصة لتبرير قتل الطالب.   وكانت المنظمة قد وثقت كذلك حادث اختطاف الشرطة المصرية للطالب "صهيب عبدالكريم محمد هنداوي – 19  عامًا"، الطالب بكلية الحقوق جامعة الزقازيق، وكذلك الطالب "جهاد أحمد  أبو الروس – 24 عامًا"، المقيم في قرية جادو التابعة لمركز الإبراهيمية في محافظة الشرقية، وأخيرًا الطالب "محمد حمد الله"، المقيم بقرية الحلوات بذات المركز، وقيامها بعد ساعات بإطلاق الرصاص عليهم ووضع قنابل بجوارهم في أحد الشوارع بالمحافظة، التي انفجرت وأودت بحياة اثنين في لحظتها وثالث بعد صراع مع إصابته ليومين.   وتحل عصابة الانقلاب محل الأجهزة القضائية بانتزاعها اعترافات من المختفين والتحقيق معهم بالإكراه، كما أن قيام عصابة الشرطة والداخلية والجيش أو جهاز الأمن الوطني بارتداء ملابس مدنية أثناء قيامها باختطاف عدد من المواطنين، أو إرسالها بعض المخبرين المدنيين والبلطجية لاختطاف معارضي الانقلاب يشجع البلطجة ويزيد من تزايد تلك الظاهرة، خاصةً وأنه لم يتم عقاب أي مسئول متورط في تلك الجرائم.   تستر الشامخ   العامل المشترك بين ضحايا الاختفاء القسري هو بقاء الخاطف مجهولا في كثير من الأحيان، وبقاء المخطوف مجهول المصير، بينما تنقلب حياة أهله وذويه رأسًا على عقب.   وقد يبقى الوضع على هذا الحال طويلا وربما إلى الأبد، وكثيرا ما تزداد محنة أسر الضحايا جراء العواقب المادية للاختفاء القسري، ذلك أن الشخص المختفي غالبا ما يكون هو العائل الرئيسي للأسرة، وقد يكون هو الفرد الوحيد في العائلة الذي يستطيع زراعة الأرض أو إدارة المشروع التجاري للأسرة، وهكذا يتفاقم الاضطراب العائلي باقترانه بالحرمان المادي الذي تشتد حدته نتيجة التكاليف الإضافية التي تتحملها الأسرة إذا قررت البحث عن عائلها المختفي.   فضلاً عن ذلك، فإن للاختفاء القسري آثاره القاسية على النساء والأطفال، فالزوجات والأمهات والأطفال هم الذين يتحملون في معظم الأحيان عواقب الاختفاء القسري، وهم الأشخاص الأكثر تضررا منه، ناهيك عما يمكن أن يتعرضوا له من أضرار ومعاناة إذا ما اختفوا هم أنفسهم.   وتتستر الهيئات القضائية بالتآمر مع سلطات الانقلاب ومشاركتها في تلك الجريمة، وذلك بعدم محاسبتها للمتورطين في تلك الجرائم، أو نظرها في أي من الشكاوى المقدمة في هذا الجانب، فجريمة الاختفاء القسري الممهنجة تتم في دول ذات طبيعة ديكتاتورية بوليسية عسكرية تنتهك القوانين التي أصدرتها كما تنتهك أيضًا المواثيق الدولية التي صدقتها وأصبحت طرفًا فيها.   وتطالب عدد من المنظمات الحقوقية الدولية  بـ: 1.      وجوب محاسبة عصابات الانقلاب المتورطين في تزايد تلك الظاهرة بشكل كبير.   2.     ضرورة حماية الأجهزة الأمنية للمواطنين من التعرض للاختفاء تحت أي ظرف استثنائي كان بدلًا من المشاركة أو التذرع بالأساس في تلك الجريمة.   3.     وجوب محاسبة كافة القضاة ووكلاء النيابة الذين تستروا على محاسبة مرتكبي تلك الجريمة.   4.     الإفراج العاجل الغير مشروط عن كافة ضحايا الاختفاء القسري وإجلاء مصائرهم المجهولة، مع الحفاظ على حق الضحايا في العدالة والتعويض.   5.     مع ضرورة مسائلة مكتب النائب العام والمحامي العام عن آلاف الشكاوى التي وردته في هذا الصدد وتم تجاهلها.   6.     ضرورة توقيع عصابة الانقلاب العسكري على الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري، والاعتراف بها على مستوى التوقيع والتنفيذ على الأرض.   7.     على الفريق العامل المعني بالاختفاء القسري في الأمم المتحدة، وكذلك للمقرر الخاص بالاعتقال التعسفي الوقوف على تلك الانتهاكات.   8.     على المجتمع الدولي التدخل السريع والعاجل قبل تفاقم تلك الجرائم وتزايدها أكثر مما هي عليه.  

Facebook Comments