كتب سيد توكل:

لأن التاريخ يتلاعب به المجرمون دائما، تولى مؤرخو مذبحة القلعة التي ارتكبها الضابط الألباني محمد علي، وحتى عصر ما قبل يوليو 1952، "تلميع" الجريمة والمجرم واختلاق المبررات والأعذار لها عبر العصور، ولكن مؤرخي العصر الحديث كلهم وأولهم الرافعي اتفقوا على أن "مذبحة القلعة كانت نقطة سوداء في تاريخ محمد على الدموي".

وما أشبه ليلة 1 مارس عام 1811 ميلاديا بـ30 يونيو 2013، وما أشبه إجرام محمد علي وغدره بالمماليك، بدموية رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وغدره بثورة 25 يناير، اليوم يمر 206 أعوام على أبشع عملية اغتيال سياسي في تاريخ مصر، حيث كانت مذبحة المماليك، أو مذبحة القلعة، التي نفذها الوالي الجديد محمد علي باشا، لتثبيت نفوذه وترسيخ انقلابه على الحكم.

تم التحضير للمذبحة في سرية بالغة، حيث لم يعرف بها مسبقًا إلا أربعة: محمد علي ولاظوغلي وصالح قوش وطاهر باشا قائد الألبان، ولا يعرف بالضبط من صاحب الفكرة ودور كل واحد في المذبحة، إلا أن تاريخ محمد علي في الخديعة والمكر منذ كان في بلده، يشي بأنه لم يكن محتاجًا لمن يشير عليه بالمؤامرة.

غدر محمد علي
شاهدان أساسيان تحدثا عن مذبحة القلعة، الأول هو الإيطالي ماندريتشى، طبيب محمد على باشا، والآخر هو أمين بك المملوك الناجى الوحيد، أما الأول فكان بصحبة الباشا في قاعة الحكم في ذلك اليوم، ووصف ذلك اليوم بقوله: كان الباشا جالسًا في قاعة الاستقبال، وقد ظل هادئًا إلى أن تحرك الموكب فساوره القلق والاضطراب، وساد صمت عميق، إلى أن سمع صوت أول رصاصة، فوقف وامتقع لونه، وظل صامتًا، إلى أن حصد الموت معظم المماليك، فدخل ماندريتشى على الباشا وقال له: «لقد قضى الأمر واليوم يوم سعد لسموكم».

المماليك فوجئوا بالرصاص ينهال عليهم من كل جانب وهم محصورون في هذا الممر الضيق الغائر، واستمر القتل من الضحى إلى الليل حتى امتلأ فناء القلعة والممر بجثث المماليك.

وعم الخوف جموع المصريين من دموية الحاكم العسكري الجديد، وتيقنوا أن أي مظهر من مظاهر الديمقراطية في ظل انقلاب محمد علي محكوم عليه بالفناء، وكانت الوحشة والخراب تخيم على مكان المذبحة وظل لفترة طويلة مهجورا يشعر السائر فيه بالرهبة والانقباض، يقول "صالح لمعي الفقي"، وهو أحد المؤرخين المعاصرين: وعلى الرغم من أوامر محمد علي لجنوده بغسل الطريق، إلا أن لون أرضه ظل أحمر من كثرة الدماء التي التصقت بالأرض، وهو ما جعلهم يطلقون عليه اسم "الدرب الأحمر"، وهو الآن حي من أشهر أحياء القلعة بالقاهرة.

غدر السيسي
وبالمقارنة التاريخية مع مسار خيانة محمد علي ورئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي، يجد الباحث أن هناك تطابقًا عجيبًا في تفاصيل الخيانة بينهما، فالسيسي بعد ما رقّاه الرئيس محمد مرسي رتبتين من لواء إلى فريق وفريق أول، وعيَّنه وزيرًا للدفاع، لم يترك بابًا إلا طرقه في دروب الخيانة؛ فمنذ اللحظة الأولى بالغ في إظهار تدينه وإخلاصه، لدرجة أنه حينما كان يصلي مع الرئيس، وينصرف الجميع بعد الصلاة، كان يحمل حذاءه ويقف هو الوحيد في تواضع مصطنع حتى يفرغ الرئيس من أوراده.

مذبحة المساجد.. "الفتح" حين حمى الثوار

Facebook Comments