في عهد الطاغية عبد الفتاح السيسي، زعيم عصابة الانقلاب العسكري، تحوّل «إبريل» من شهر عيد تحرير سيناء والذي يتم الاحتفال به في 25 منه كل عام، إلى شهر التفريط في السيادة الوطنية حيث تنازل السيسي عن جزيرتي “تيران وصنافير” في 8 إبريل سنة 2016م، باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية.

وللجزيرتين أهمية استراتيجية كبرى، ذلك أن ملكية مصر لهما جعلها تتحكم في مضيق تيران باعتباره مضيقا محليًا خالصًا لا يسمح فيه بمرور السفن الإسرائيلية أو غيرها بدون إذن من الحكومة المصرية؛ وهو ما منح مصر ميزة استراتيجية كبرى وجعلها تتحكم في 40% من التجارة الإسرائيلية التي تمر من خليج العقبة ومضيق تيران إلى ميناء إيلات “أم الرشراش المصرية المحتلة” حتى اليوم.

احتل الكيان الصهيوني الجزيرتين في العدوان الثلاثي 1956م، ثم في حرب 5 يونيو 1967م، وانسحبت منها في 1982م عبر المفاوضات التي جرت بعد حرب أكتوبر 1973م. وبعد الانسحاب الإسرائيلي عادت الجزيرة إلى الحماية والإدارة المصرية ويتواجد بها حاليا قوات دولية متعددة الجنسيات بحسب اتفاقية كامب ديفيد ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية ووقوعها في المنطقة ج.

محطات التفريط

وقّع شريف إسماعيل، رئيس حكومة الانقلاب السابق، على الاتفاقية ممثلا عن الجانب المصري، بينما وقع عليها محمد بن سلمان الذي كان ولي ولي العهد ممثلا عن الجانب السعودي في حضور كل من العاهل السعودي محمد بن سلمان، ورئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي.

ورغم الرفض الشعبي الواسع، والأحكام القضائية القاطعة بمصرية الجزيرتين، إلا أن نظام انقلاب 30 يونيو داس على كل ذلك؛ لأنه أدمن فرض تصوراته بالقوة والقهر منذ الانقلاب، وفي 29 ديسمبر 2016 وافق مجلس الوزراء على الاتفاقية، وصدر القرار الجمهوري رقم 607 بالموافقة على الاتفاقية، وتقرر إحالتها إلى مجلس النواب.

وفي 13 يونيو 2017 وافقت اللجنة التشريعية بمجلس نواب العسكر على الاتفاقية وأحالتها إلى الجلسة العامة للتصويت عليها بموافقة 35 نائبا ورفض 8 آخرين. فقُرر بالجلسة العامة، إحالة الاتفاقية إلى لجنة الدفاع والأمن القومي لمناقشتها وإعداد تقرير بها، قبل عرضها على الجلسة العامة للتصويت النهائي عليها.

وفي 14 يونيو 2017 وافقت لجنة الدفاع والأمن القومي على الاتفاقية وأحالت الاتفاقية للجلسة العامة للتصويت. وفي نفس اليوم أقر البرلمان بجلسته العامة اتفاقية تعيين الحدود البحرية بين مصر والسعودية. وفي 17 يونيو 2017 صدق رئيس الانقلاب عليها ، وفي 17 أغسطس 2017 نشرت الاتفاقية في الجريدة الرسمية في عددها رقم 33/السنة الستون.

وبإتمام التصديق والنشر تبقى تبادل كلا البلدين رسائل التصديق، ومن ثم تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ، ثم يتم إخطار الأمين العام للأمم المتحدة وفقاً لأحكام المادة 102 من ميثاق الأمم المتحدة. وهي الإجراءات التي لم يتم الإعلان عنها حتى اليوم ويشاع أنها جرت في سرية تامة بدون مراسيم سترا للفضيحة.

القضاء يؤكد مصرية الجزيرتين

وأكد القضاء المصري مصرية الجزيرتين، وفي 21 يونيو 2016م، قضى مجلس الدولة ببطلان توقيع الاتفاقية، الحكم صدر برئاسة المستشار يحيى دكروري وعضوية المستشارين عبد المجيد المقنن وسامي درويش، نواب رئيس مجلس الدولة.

وانتقد الحكم تكريس الديكتاتورية العسكرية، حيث جاء في حيثيات الحكم غير المسبوق أن «أعمال السيادة ليست نظرية جامدة وإنما تتسم بالمرونة وتتناسب عكسيا مع الحرية والديمقراطية، فيتسع نطاقها في النظم الديكتاتورية ويضيق كلما ارتقت الدولة في مدارج الديمقراطية».

وكان المستشار طارق البشري قد رد على تبرير مؤيدي العسكر بأن الاتفاقية من أعمال السيادة، مؤكدا أنه «ليس من أعمال السيادة التفريط في السيادة». وفي حكم مجلس الدولة أوضحت الحيثيات أن نصوص قانوني مجلس الدولة والسلطة القضائية لم تحدد تعريفا جامعا مانعا لما يسمى بأعمال السيادة أو الضوابط والعناصر التي يستدل بها عليها.

وأكدت أن القضاء وحده هو الذي يقرر في كل حالة على حدة ما يدخل ضمن أعمال السيادة وما يخرج عنها. وشددت على أن المادة 151 من الدستور تتضمن حظراً شاملاً لتوقيع أي معاهدة تخالف أحكام الدستور أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة، ويمتد هذا الحظر إلى السلطة التنفيذية. وشدد الحكم على أن الواقع الحاصل على الأرض منذ زمن بعيد أن الدولة المصرية تمارس على الجزرتين بالفعل حقوق سيادة كاملة، لا يزاحمها في ذلك أحد”.

وأيدت المحكمة الإدارية العليا حكم مصرية الجزيرتين، وأصدرت في 16 يناير 2017م حكما تاريخيا جديدا برئاسة المستشار أحمد الشاذلي، داس عليه السيسي كعادته، وأكد الحكم أن مصرية الجزيرتين مقطوع بصحته وأن جيش مصر لم يكن في يوم من الأيام جيش جور واحتلال.

ولجأت حكومة الانقلاب إلى مسار قضائي لا اختصاص له وهو محكمة الأمور المستعجلة ومستأنف الأمور المستعجلة، وذلك بهدف ضرب حكم قضائي بحكم قضائي آخر حتى لو كان أحدهما بلا اختصاص.

في 3 مارس 2018، قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم الاعتداد بجميع الأحكام التي وصفتها بالمتناقضة الصادرة من مجلس الدولة ومحكمة الأمور المستعجلة، في قضية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، كما قضت المحكمة بعدم قبول منازعتي التنفيذ المقامتين من الحكومة لإلغاء حكم القضاء الإداري ببطلان الاتفاقية باعتبار أن أحكام الدستورية العليا بشأن أعمال السيادة التي استندت إليها هيئة قضايا الدولة في دعواها لا علاقة لها باتفاقية ترسيم الحدود، وأنها تتعلق بنصوص دستورية أخرى.

ويعني كلا الحكمين استمرار تطبيق اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية وعدم تغير موقفها القانوني. وبذلك دخلت القضية ثلاجة المحكمة ولم تخرج منه حتى اليوم انتظارا لتحولات سياسية كبرى تسترد السيادة المصرية على الجزيرتين وتعمل بإخلاص على تحرير أم الرشراش من الصهاينة.

Facebook Comments