على مدار يومين، أقام عبد الفتاح السيسي حفله الموسمي الصاخب، وسط مجموعته المنتقاة من الشباب، والتي لا تعبر بأي حال عن واقع الشباب المصري.

صال السيسي وجال في مراعي النكتة السخيفة والأرقام الوهمية، والوعود الخادعة، عن مصر أخرى تختلف بالكلية عن مصر التي يعيشها عموم المصريين، ويراها من بعيد محبّوها الحقيقيون الذين ينظرون بأسىً على وطن كبير، لم يعد يحتفظ بشيء من ملامحه الحقيقية التي اختفت تحت أصباغ الزيف والكذب.

حسنًا، فعل السيسي، بقصد أو عن غير قصد، حين اختاره لحفله الصاخب عنوان “المحاكاة” ليقر ضمنًا بأن كل ما يعرضه، أو يستعرض به، ويتسلّى بالحديث عنه هو نموذج مشوّه يحاكي به مصر الأخرى، الواقعية الحقيقية، ليكرس الاعتقاد السائد، والذي كان هو شخصيًا أول من أعلنه، بأن هذه التي يحكمها بالحديد والنار والظلم والبطش هي شبه دولة، أو شبه مصر، أو قل هي الصورة الزائفة منها وعنها.

غير أن بعض ما تحدّث به السيسي كان صادقًا تمامًا، وخصوصًا حين قال جملةً تلخص الوضع كله في مصر التي يريدها بديلًا لمصر التي يعرفها ويريدها المصريون، إذ قال “يبدو أننا رضينا بالقبح ونسينا الحسن”.

هذه العبارة صادقة تمامًا ودالة، وكاشفة لجوهر مشروع عبد الفتاح السيسي: تكريس القبح ومحاربة الحسن، أو تمكين الرداءة، واعتمادها معيارًا وحيدًا للاختيار ، في مقابل مطاردة الجودة والكفاءة والاحترام، وهذا بالضبط ما يجري في مصر منذ استولى الجنرال، المكلف بتجريفها وإعدام تربتها، على السلطة فيها.

تكاثرت سحب القبح والرداءة منذ خمس سنوات، وهطلت بغزارةٍ على الحياة المصرية، من السياسة إلى الإعلام والفن والثقافة، مرورًا بالرياضة والتعليم، فأنبتت برلمانًا فاسدًا وفنًا هابطًا ومناهج دراسية تصنع اغترابًا عن مصر الحقيقية، جغرافيًا وتاريخيًا، وتكرّس لقيم الصفاقة والانتهازية والقنص والخطف، يتحول فيها المواطن إلى عينٍ أمنيةٍ على جاره وزميله، وينكر الخرائط القديمةـ ويتعايش مع خرائط جديدة، تسمّي الشقيق عدوًا، وتقبل العدو شريكًا وحليفًا.

بمعنى آخر، حشدت هذه السلطة كل طاقاتها لإعدام ذائقة التلقي عند المواطن، فصار يرى الظلم ضرورةً وطنية، ويصفق لإجراءات القمع والقهر ومصادرة الحريات والممتلكات، باعتبارها الإنقاذ للوطن من السقوط.

قبل أيام، أرسل لي صديق إريتيري يعيش في لندن مقطعًا من برنامج تلفزيوني يحاور فنانًا ذائع الصيت، ويطلب منه أن يستعرض قدراته على التنكيت، فيطلق على المشاهدين مجموعة من النكات الساقطة التي تحتفي بمهارات إخفاء الخيانة الزوجية، وتأمين العلاقات الشائنة، وسط انبهار المذيعة والتصفيق وصيحات الإعجاب من الجمهور المختار لحضور اللقاء، بالدقة والعناية ذاتهما في اختيار جمهور حفلات المحاكاة التي يقيمها السيسي تحت لافتة “مؤتمر الشباب”.

الصديق الإريتيري تساءل في أسى: لماذا يجتهد الإعلام المصري الجديد في محاولة تكفيرنا بمصر التي نعرفها ونحفظ فضلها في الفن والتعليم والثقافة؟.

تذكّرت هذه الرسالة المعاتبة، وأنا أستمع للسيسي معلنا “رضينا بالقبح ونسينا الحسن”، وأردت أن أقول، للصديق الحزين على مصر، إن صناعة القبح والرداءة صارت المشروع القومي للسلطة الحالية التي تحارب كل حقيقي وجاد وأصيل، فتقتل علماءها في السجون، وتطردهم خارج حدودها، وتستبدل كل تافه ومبتذل وزائف بهم، وتخترع مفهومًا جديدًا للقوة الناعمة، عنوانه سما وماجد المصري في الفن، ومرتضى منصور في الرياضة، وعلي عبد العال في الحياة النيابية، وعلي جمعة في الفقه، وأحمد موسى في الإعلام، وعكاشة في السياسة.

نعم، تختلف مصر السيسية عن مصر المحفورة في ذاكرة التاريخ والجغرافيا، فشبابها الحقيقي، بعشرات الآلاف، إما معتقل أو مقتول أو مطارد في الداخل والخارج، فيما يختبئ حاكم شبه مصر بين مجموعة من الشباب الاصطناعي، المستنسخ بمواصفات تتماشى مع مرحلة “الرضا بالقبح ونسيان الحسن”.

في حفل السيسي الصاخب أيضًا جرى تداول مقترح بتشكيل “مجلس أعلى للقوة الناعمة”، يرعاه عبد الفتاح السيسي شخصيًا، لتقديم وجوهٍ جديدةٍ تتولى تصدير مصر الجديدة إلى العالم، وتتصدّى لأي انتقاد لها. صحيح أن السيسي لم يقرّر أو يعلق، لكنه في جلسةٍ تاليةٍ كشف عن رؤيته للقوة الناعمة الموروثة والحقيقية، حين أدلى برأيه في الراحلة أم كلثوم، ممتعضًا من اعتبارها ظاهرة غنائية لن تتكرّر، ومعلنًا رفضه هذا التصور. وكأنه، من حيث لا يدري، يعطي إشارة نزع الجدارة عن الفن القديم والإبداع العريق، ولم لا ومشروعه كله مؤسس على فكرة المحاكاة التي تترجمها أقواله وأفعاله إلى تكريس نسخة مستحدثة، هزيلة ورديئة، من مصر، في السياسة والفن والثقافة والإعلام؟.

هي مرحلة “قبح السلطة وسلطة القبح”، بمحاكاة لتعبير الراحل يوسف إدريس الشهير “فقر الفكر وفكر الفقر”.

Facebook Comments