كتب: يونس حمزاوي
جاءت التفجيرات الإرهابية في مدينة مانشيستر الإنجليزية لتثير كثيرا من التساؤلات حول السياق الذي يريد أن يفرضه تنظيم داعش، الذي أعلن عن مسئوليته عن الجريمة في ظل الأوضاع الراهنة.

لا سيما وأن بريطانيا من الدول التي فتحت ذراعيها للمضطهدين من الإسلاميين خلال العقود الماضية، حتى إن المعلومات التي تم الكشف عنها تشير إلى أن منفذ الجريمة، وهو شاب بريطاني من أصل ليبي، يدعى سلمان عبيدي "22 عاما"، ولد في مانشيستر الواقعة شمال غرب إنجلترا، وأن والديه الليبيين لجآ إلى بريطانيا هربا من نظام الزعيم الليبي معمر القذافي.

ورغم أن كتب السيرة تشير إلى ثناء الرسول- صلى الله عليه وسلم- على "المطعم بن عدي"، الذي أدخل النبي- صلى الله عليه وسلم- في حمايته يوم عودته من الطائف، حتى إنه حفظ هذا الجميل، وذكرت كتب السيرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان سيهبُ أسرى "بدر" كاملين، وعددهم 70، للمطعم بن عدي لو كان حيا، وجاء يطلب منه الإفراج عنهم ردا لجميله الذي لا ينسى يوم الطائف.

ولكن تنظيم داعش يتجاهل كل ذلك، ويقابل الإحسان الذي تقدمه الحكومة البريطانية لكثير من الإسلاميين، ومنهم منفذ الجريمة وأسرته، بعد أن منحتهم حق اللجوء، وخصصت لهم راتبا شهريا، مع حسن الإقامة والمعاملة، وفتحت لهم مدارسها ومستشفياتها.

الجريمة التي وقعت مساء الإثنين، على أحد مداخل قاعة مانشيستر التي تتسع لنحو 21 ألف شخص في نهاية حفل لمغنية البوب الأمريكية "أريانا غراندي"، هي الأسوأ لبريطانيا منذ 12 عاما، وأسفر التفجير عن مقتل 22 شخصا، بينهم طفلة وإصابة 59 آخرين.

الاعتداء يعد الأكثر دموية في بريطانيا منذ 7 يوليو 2005، حين فجر 4 انتحاريين أنفسهم في مترو لندن في ساعة الازدحام، ما أدى إلى مقتل 52 شخصا وإصابة 700.

المستفيدون من الجريمة

وتستهدف الجريمة- بلا شك- تشويه الإسلام، وهو ما يصب في تحقيق مستهدفات اليمين المتطرف في أمريكا وأوروبا، كما يصب في مصلحة إيران الشيعية، وجزار سوريا بشار الأسد، والأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، خصوصا تلك التي تسوق نفسها، ولا تجد سلعة تروج بها نفسها وتكتسب بها شرعيتها سوى الحرب على الإرهاب.

وينضم للتنظيم شخصيات مثيرة وحولها شكوك كبيرة، بعضها إسرائيلي وبعضها مسيحي، يرتكبون أبشع الجرائم ضد الإنسانية، كما تم الكشف مؤخرا عن جواسيس في القيادات الكبيرة للتنظيم، ما يفتح الباب على مصراعيه أمام توظيف بعض أجهزة المخابرات للتنظيم، وأهمها الموساد؛ من أجل تشويه صورة الإسلام من جهة، واكتساب شرعية للنظم المستبدة من جهة أخرى.

إخفاء الصورة النبيلة للمسلمين

قراءة أخرى للبروز الكبير لتنظيم داعش، الذي نما وترعرع في ظل سياق إقليمي، تم إجهاض المسار الديمقراطي في مصر بعد انقلاب 3 يوليو 3013م، والحرب الضروس على الربيع العربي كله؛ وهو ما بث الروح في أفكار التنظيم التي كانت قد بدأت في التآكل بعد ثورة يناير 2011 وفتح الحريات أمام الجميع.

وبعد مجزرة رابعة والانتشار الواسع لشعارها الذي يعبر عن ضحايا الحريات في مصر وبسالتهم في التصدي لدبابات العسكر؛ دفاعا عن حريتهم التي انتزعوها بثورة يناير، برزت على السطح صورة الإسلاميين الذين يدافعون عن الحريات، والذي يمثلون قمة النبل الذي تمثله ثورة يناير، بما فتحته من حريات غير مسبوقة ومساواة، مع توجهات ثورية نحو تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فبدلا من ترويج هذه الصورة المثالية للإسلاميين في رابعة وتصديهم لدبابات العسكر، وهي الصورة التي تعكس منتهى الإيجابية والجمال للإسلام ذاته، كان لا بد من خلق صورة شديدة التشوه، فكان تنظيم "داعش"، مع تعمد ترويج مذابحه وجرائمه؛ حتى يتم طمس صورة رابعة التي تمثل النبل والإنسانية في قمتها.

إزاء هذا، فإن تنظيم داعش يعد ضرورة للنظم المستبدة؛ لأنها تريد أن تكون المقارنة بين حكمهم الاستبدادي الفاشي من جهة ولكنه يتعاطى مع المصالح الغربية والأمريكية، وبين نظام داعش الدموي الذي يكفر الجميع ويستحل دماء الكل بهذه البشاعة التي جرت في مانشيستر.

وهذا هو ما يفسر السعي المستمر من جانب رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي وأذرعه الإعلامية، للترويج بوضع كل الحركات الإسلامية في سلة واحدة، فهم جميعا "داعش الدموي"، ولا يراد أبدا للفكر الوسطي المعتدل الذي تمثله رابعة والنهضة ولا للحركة الإسلامية الكبيرة التي فازت بأنزه انتخابات في تاريخ مصر أن يكون لها وجود وانتشار من أجل أن يبسط العسكر سطوتهم على مصر لعقود أخرى قادمة.

هذا لا يعني مطلقا التخلي عن إعداد القوة من أجل التصدي للمعتدين الظالمين، خصوصا في البلاد التي تعاني من احتلال خبيث كما في فلسطين وغيرها.. فهؤلاء لهم كل الإعزاز والتقدير والدعم المطلق؛ لأن العالم لا يعرف سوى لغة الأقوياء، وهم دائما الذين يكتبون التاريخ، والدفاع عن النفس والعرض والأرض حق مشروع في كل الشرائع والقوانين.

Facebook Comments