أخيرا وصل فلاديمير بوتين إلى القصعة السعودية التي ترتع فيها أمريكا، حيث كان تداعي بوتين بنصيحة من جارتها اللدود الإمارات، مروجا إلى أنه يمتلك العصا السحرية التي مكنت الإمارات من الهروب من الاستهداف الإيراني في موانئها البحرية والجوية، بعدما زار أخيرا وزير خارجية أبوظبي عبدالله بن زايد بوتين روسيا، قبل أشهر قليلة، حتى إنه أشاد بها أخيرا في حل مشاكل الشرق الأوسط، باعتبارها شرطي المنطقة تجيد التلاعب مع رجال المخابرات من أمثاله.

بوتين يمتلك نفس العصا مع السعودية، وكرجل مصالح يطرح نظير طلبه للتدخل، بعد 12 عاما من الجفاء، مع إيران وفي اليمن أيا كان شكل هذه التهدئة، مجموعة من التوازنات، فقد عرض فعليا تزويد المملكة بأنظمة دفاعية روسية بعد الهجمات التي وقعت على منشآتها النفطية، بيد أن أي تقدم في خطط شراء نظام الدفاع الجوي الصاروخي “إس 400” سيؤدي إلى استياء في واشنطن، التي أعلنت مطلع الأسبوع أنها سترسل نحو 3000 جندي، بخلاف الموجودين فعليا ويتقاضى الواحد منهم نحو 25 ألف دولار شهريا، فضلا عن نظم دفاع جوي إضافية إلى السعودية، لم تؤت ثمارها مع طائرات الحوثيين المسيرة.

10  مليارات دولار

بوتين يقنع بالقليل إذا ما قورن بما حصل عليه ترامب في يوليو 2017 والذي وصل إلى نحو 400 مليار دولار خلال 10 سنوات بصفقات فقط أسلحة، فقد صرح في حوار مشترك بين القناة الروسية وفضائيتي “العربية” السعودية، و”سكاي نيوز” الإماراتية، إلى أنه تم إنشاء منصة استثمارية مشتركة مع السعودية بقيمة 10 مليارات دولار، لتمويل مشاريع مشتركة، وتم وضع مليارين منها قيد الاستثمار.

ولفت إلى “سيبور- هولدنغ”، التي تعد الأضخم في المجال البتروكيميائي، تدرس إمكانية بناء مجمع بتروكيميائي في السعودية، قال إن عدته المالية تصل لنحو مليار دولار أو يزيد، مع توقعه زيادة الاستثمارات مع السعودية بالتوقيع على 30 وثيقة في هذا الشأن.

يؤخذ في الاعتبار هنا أن استثمارات روسيا المشتركة مع الإمارات تصل إلى نحو 7 مليارات دولار.

أسئلة المخابرات في البلدين التي وجهتها “العربية” و”سكاي نيوز” دلت على مجمل المواضيع العديدة، ومنها العلاقة مع الرياض، والاعتداء الإرهابي على منشآت أرامكو ودور إيران في المنطقة، وتطورات الوضع في سوريا.

رسالة طمأنة

وقبل وصوله إلى الرياض وانتقاله منها إلى أبو ظبي، صباح الثلاثاء 15 أكتوبر، طمأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن الوثائق الاقتصادية التي وقعها لن تذهب هدرا مقابل نزع التوتر بين السعودية من جهة وإيران من جهة أخرى، فقال: إنه بإمكان روسيا لعب دور رئيسي، لأن لها علاقة طيبة بإيران والعالم العربي، مشيرا إلى أنه من الممكن مناقشة برنامج إيران الصاروخي.

وأضاف “لا أحد في السعودية أو الإمارات يريد مواجهات أو اشتباكات مع إيران، وينبغي التعامل مع برنامج إيران الصاروخي بمعزل عن برنامجها النووي”.

وفي المنتصف طرح بندا آخر في قائمة أهدافه من الزيارة وهو سوريا، قال مراقبون إنه يتعلق بالسماح بمرور بشار إلى الجامعة العربية، فقال إن السعودية تلعب دورا في تحقيق تقدم صوب اتفاق سياسي في سوريا، غير أن ما يظهر على السطح ليس أكثر من دور أسسه سعود الحطاني بتبني الذباب الالكتروني مناهضة العملية التركية في شمال سوريا مع الأكراد والإنضمام للأكراد الذي طردهم السعوديين من الأراضي السعودية، في حين الإمارات أرحب بكل تلك الحركات منها لحاجة في نفس محمد بن زايد قضاها.

وعلى الرغم من أن السعودية رفضت استئناف العلاقات الدبلوماسية مع حكومة بشار الأسد، فإن صناع القرار الروس ما زالوا ينظرون بتفاؤل إلى خطاب الرياض المعتدل بشأن سوريا منذ أوائل العام 2018.

ففي مارس 2018، صرح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأن الأسد يظل زعيما لسوريا. وفي أغسطس التالي، أبلغ وزير الخارجية السعودي عادل الجبير نظيره الروسي أن الرياض ستتعاون مع موسكو في عملية السلام السورية.

كلفة عالية

ويقدر خبراء عسكريين ما تدفعه الرياض للجنود الأمريكيين بأراضيها، بنحو 25 ألف دولار شهريا، وأن بعض الضباط تقدر رواتبهم بـ100 ألف دولار شهريا، يقدمون لنحو 13 ألف عسكري أمريكي.

وضمن اللعب السعودي على أيهما أرخص في الفاتورة لتجنب الضغط الإيراني، سارعت روسيا لتقول “نحن أفضل” من خلال نشر تلك المعلومات من خلال موقع “سبوتنيك” المخابراتي الروسي الذي كشف هذه المعلومات عشية زيارة بوتين.

وقلل من شأنها وأنهم لن يشكلوا شيئا في مساحة محور المقاومة التي تمتد ملايين الكيلومترات، وبكل بساطة تلك الأعداد الأمريكية من الجنود لا تكفي لحماية “نظام” البحرين.

ابتسامة فرقاء

يقول المراقبون، إن زيارة بوتين تأتي تتويجًا لخطوات ربما بدت رمزية في وقتها، لكنها بالقطع ليست عفوية، قام بها بوتين تجاه ولي العهد السعودي الحاكم الفعلي للمملكة، ربما كان أبرزها المشهد الذي تناولته وسائل الإعلام العالمية أثناء اجتماعات قمة العشرين العام الماضي في الأرجنتين بين بوتين والأمير محمد بن سلمان.

المشهد كان عبارة عن ضحك مشترك بين بوتين وولي العهد، وكانت تلك اللقطة على النقيض تماما من موقف باقي الحضور في القمة، وخصوصا قادة الدول الأوروبية وحتى ترامب حليف الأمير الذي دافع عنه في مقتل خاشقجي، الذين كانوا يتجنبون الأمير أمام عدسات المصورين.

Facebook Comments