عقب مباغتة المصريين لنظام الانقلاب بالخروج للتظاهر، الجمعة قبل الماضية، والنزول لميدان التحرير، ورعب الانقلاب من مظاهرات مماثلة أمس الجمعة، بدأ النظام الديكتاتوري يلجأ لنفس الحيلة التي فعلها كل ديكتاتور من قبل، خلال مراحل سقوطه الأخيرة، وهي قطع الإنترنت أو إضعافه بصورة كبيرة.

مساء الخميس 19 سبتمبر، وقبل انطلاق المظاهرات المفاجئة للجميع في اليوم التالي الجمعة 20 سبتمبر، فوجئ المصريون بفك الحجب عن مواقع شهيرة محجوبة مثل، «مدى مصر»، و«الجزيرة»، و”الإخوان المسلمون” و”عربي 21″، وتصوروا أن هذا ضمن استعدادات عزل السيسي.

مساء الجمعة، وعقب عودة البطش الأمني بصورة أعنف واعتقال قرابة 2000 من المصريين منذ ذلك الحين، واقتحام منازل وتفتيش هواتف المصريين في الشوارع واعتقال بعضهم، تبين أن المواقع المحجوبة لم تعد، وبل وبدأ إضعاف وحجب الإنترنت نفسه في مصر تدريجيا؛ تحسبا لمظاهرات جمعة الغضب.

ودفع هذا الأمر كثيرا من النشطاء الذي نزلوا إلى الشوارع لعدم حمل موبيلاتهم لعدم تفتيشها واعتقالهم، ما أثر على حجم التواصل بينهم، في الوقت الذي نزل الانقلاب بكل ثقله العسكري في الشوارع وليس فقط بالمدرعات، ما جعل المتظاهرين الذين نزلوا يعانون من القدرة على التجمع والتظاهر جماعيا.

خبير في شئون تقنية المعلومات، ومصدر آخر في وزارة الاتصالات، كشفا عن أن ما يحدث من فك للحجب عن بعض المواقع يكون – على عكس تصور كثيرين – مقدمة لحجب أكبر، وأن هذه تقنية معروفة تفك الحجب جزئيا أثناء استعدادات تكثيف الحجب.

وأكد المصدران الشكاوى المتفرقة من صعوبات تواجه مستخدمي الإنترنت في أماكن متفرقة بالقاهرة والسويس، خصوصا خلال اﻷيام الماضية، بسبب استعدادات تجري لحجب الإنترنت عن مناطق واسعة، خصوصا أماكن الاحتجاجات المحتملة، وأن هناك حجبا محتملا وتعطيل لمواقع السوشيال.

ولجأ نظام حسني مبارك لحجب الإنترنت بالكامل عن مصر وقطع اتصالات الموبايل، خلال ثورة يناير 2011، ما أعاق نقل الأخبار عبر مواقع النت، ولكن عوضت فضائيات مثل الجزيرة غياب الأخبار.

وقُدرت تكلفة قطع الإنترنت في مصر عام 2011 بـ 18 مليون دولار في اليوم الواحد، وفقًا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أي أن الفاتورة الإجمالية وقتها بلغت 90 مليون دولار من الخسائر.

إضعاف ثم قطع النت

بحسب المصادر التقنية، تبدو مسألة قطع الإنترنت “مسألة وقت”، استنادا إلى مؤشرات عدة، منها ما رصدته شبكة «نت بلوكس» لمراقبة أنشطة الإنترنت عن حجب بعض خوادم محتوى فيسبوك، وحجب موقعي BBC والحرة.

ولذلك رصدت «نت بلوكس» مواجهة ما يقرب من 40% من مستخدمي تويتر مشاكل اتصال بالموقع، وصعوبة تحميل ومشاهدة الفيديوهات الطويلة، وحُجبت إحدى خدمات شركة Cloudflare التي تحمي عملاءها من الهجمات الإلكترونية، ومن بينها الحجب.

وقد اشتكى العديد من المصريين من ضعف شبكات الإنترنت الأربع وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع، وأرجع موظفو بعض الشركات الأسباب إلى “مشاكل تقنية” أو “عطل مؤقت”، وهي أسباب يتكرر إبلاغ العملاء بها.

وقالت لجنة حماية الصحفيين، إن الاعتقالات الأخيرة تزامنت مع شكاوى من مستخدمي الإنترنت في مصر من صعوبة استخدام تطبيق فيسبوك ماسنجر، وتصفح مواقع إخبارية.

والطريف أن مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، صرح لموقع “أهرام أونلاين”، الحكومي الصادر باللغة الإنجليزية، بأن موقع الأخبار التابع لشبكة “بي بي سي” وعددا من المواقع الإخبارية أغلقت بالفعل من جهات لا يعلمها؛ بسبب “تغطيتها غير الدقيقة” للاحتجاجات، وكأنه شاهد مشفش حاجة.

وبرغم أن المجلس الأعلى للإعلام أصدر لائحة جزاءات في مارس الماضي، منحته سلطة حجب المواقع، لذلك نُسبت أخبار الحجب المختلفة إلى المجلس، لكن «ترجيح» مكرم أن تكون السلطات المصرية حجبت بعض المواقع الإخبارية دون علمه، كشف أن جهات سيادية أخرى تحجب المواقع.

ولذلك سعى خبراء الإنترنت ونشطاء لشرح كيفية التواصل بين المصريين حال تم حجب الإنترنت عبر فيديوهات كيفية التغلب على قطع الإنترنت لو حدث في توصيل الأخبار والتواصل.

ونشر نشطاء آخرون فيديوهات عن كيفية إخفاء برامج وتطبيقات التواصل المختلفة للوقاية من عمليات تفتيش الشرطة السرية للمصريين في الشوارع واستيقافهم.

وكتب الخبير التقني رامي رؤوف الذي يعمل مع “سيتزن لاب”، المتخصصة في كشف الهجمات الإلكترونية على النشطاء الحقوقيين، 6 نصائح للمصريين للوقاية والحفاظ على سلامة اتصالاتهم الرقمية من هجمات وتدخلات في شبكات الاتصالات لحجب مواقع أو تعطيل مؤقت لتطبيقات التواصل.

إعدام حق تداول المعلومات

تم النص على “الحق في تداول المعلومات” في مصر، في دستور عام 2012، أول دستور وُضع بعد ثورة 25 يناير عام 2011، واختفى هذا الحق الدستوري في دستور عام 2014، عقب انقلاب السيسي عام 2013، ومنذ ذلك الحين بدأ تأميم الصحف وحجب الموقع المعارضة والمستقلة.

وقد أكد تقريران لـ”مؤسسة حرية الفكر والتعبير” (AFTE)، و”المرصد المفتوح لاعتراض الشبكات” (OONI)، أن الرقابة على الإنترنت باتت تطال الجميع، وأن مزودي الخدمة لا يقومون بحجب المواقع مباشرة، لكنهم يُعيقون الاتصال من خلال استخدام أجهزة الفحص العميق للحزم (DPI) أوDeep Packet Inspection.

وتم حجب قرابة 550 موقعا اخباريا وحقوقيا ومستقلا في مصر حتى الآن، بحسب مؤسسة حرية الفكر والتعبير، ولم تعلن أي جهة مصرية مسئوليتها عن الحجب.

ومنذ تصديق السيسي رسميا على قانون “جرائم الإنترنت” عام 2018، قُيدت حركة المصريين على الإنترنت ومواقع التواصل بشكل عنيف، بهدف درء مخاطر مواقع التواصل التي لعبت دورا في ثورة يناير 2011، ويخشى السيسي تكرار دورها.

Facebook Comments