قال الكاتب الصحفي وائل قنديل: إن الدعوة ليوم الأرض اليوم الجمعة تجعله مختلفا عما قبله وما بعده، لأنه يوم فاصل في تاريخ الثورة المصرية، موضحا أنه رد على من يعتبروننا وعاءً لألقاء الأكاذيب والأوهام وأداة لضخ الكراهية وإشاعة العنصرية وتكريس القبح وتقديس الرداءة، مؤكدا أنه يوم للكرامة الوطنية والكرامة الإنسانية معاً، لاستعادة النفس في وجه الذين يعبثون بأرضنا، ويحتقرون رأينا، وأننا لسنا دمية للعرض، تستعملها السلطة، أو تسلط عليها مجموعات من مروجي "الشوفينية الثورية"، تدّعي احتكار الحقيقة المطلقة، والثورية المطلقة.

وطالب قنديل خلال مقاله بصحيفة "العربي الجديد" اليوم الجمعة، جموع المصريين بالنزول ضد باعة الجزر، بثمن بخس لقاء البقاء في السلطة، ولا نستمع لصناع الجزر الذين يقتاتون على تفتيت المشاعر وبعثرة الغضب، وتحويل الجموع إلى جزر منعزلة، مؤكدا أن هذا يوم آخر، لكي يعتذر فيه المصريون لثورتهم وميدانهم وإنسانيتهم، يشبه أياماً كثيرة من أيام 2011 وما بعدها، حين كان المصريون يعودون إلى الميدان، بعد انشغالهم عنه بمعارك بينية، صنعها الذين يفرّطون في الأرض والكرامة الوطنية الآن.

وأضاف: "أقول لك، كما قلت في تلك الجمعة المشهودة في التاسع والعشرين من يوليو 2011: أيها الداخلون إلى ميدان التحرير لأول مرة، أو العائدون إليه بعد غياب وانقطاع، تذكّروا ما يلي: هذا المكان لا يمتلكه فصيل بعينه، ولا يستطيع مهما حاول، لأن الأيام أثبتت أن التحرير أكبر من الجميع، وأوسع من حدود أي حالم بالزعامة أو الانفراد به، بل وأقوى من أي كائن من كان يتصور أنه قادر أن يفرض سطوته وسلطته عليه".

وأوضح أن العودة إلى التحرير بهذه الكثافة المتوقعة، اليوم، تعني، في أحد جوانبها، أن الجميع استوعبوا درساً مهماً للغاية، وهو أن أحداً لا يستطيع العبث بالتاريخ والجغرافيا، مهما حاول، وأن القيمة الرمزية والدلالة الروحية للميدان لدى المصريين لم تهتز، ولم تتأثر بكل تلك الألاعيب التي حاولت محاكاة الثورة، أو اختراع عبواتٍ مقلدة لها، في "روكسي" أو غيره، طوال الفترة الماضية، كما تحمل هذه العودة الكثيفة، ضمن ما تحمل، اعتذاراً ضمنياً لميدان التحرير عن كل ما طاوله من شتائم وسخائم وافتراءات وأكاذيب ومحاولات تدنيسه وتلويث تربته النظيفة بالبذور السامة، والتصرفات المسرطنة.

واختتم مقاله: "يخطئ من يتصوّر أنه قادر على امتلاك الميدان، أو السيطرة عليه، مهما بلغ حجمه وعدده، وعلا صوته، لأن الأيام أثبتت أن هناك حقيقة جيوبولوتيكية مؤكدة، اسمها "عبقرية الميدان"، تشبه كثيراً "عبقرية المكان" التي تحدث عنها الراحل العظيم جمال حمدان، في سفره الكبير "شخصية مصر". ومن ثم، فإن المأمول اليوم من جميع الأطراف الذاهبة إلى التحرير أن تدرك أن هذا الميدان الكبير الواسع الفسيح العميق، المتجذر في وجدان المصريين، ليس مجرد مساحة خلاء أو قطعة أرض فضاء، يستطيع تملكها، أو وضع يده عليها أحد، فالميدان نموذج مصغر لمصر، وقد قال لنا التاريخ إن مصر كانت دائماً أكبر من كل أحلام الذين تصوّروا يوماً أنه يمكنهم اختطافها أو حبسها داخل لافتة".

Facebook Comments