بين الإمكانية وعدمها وترتيبًا على أوضاع وتجارب دول العالم التي حكمها العسكر، قال كبير باحثي معهد كارنيجي اللبناني يزيد صايغ: إن عسكر مصر أعماهم سعيهم لمصالحهم وترتيب أولوياتهم في السيطرة والإدارة والاقتصاد، فهمّشوا الجميع وسقطت قطاعات من بين أيديهم، فوصل حد الفقر في مصر إلى نحو 60% من الشعب المصري، بحسب تقرير البنك الدولي.

وأشار إلى أن هذا الفشل لا بد وأن يكون مآله مفاوضات لإرجاع السلطة للمدنيين، وهو ما يعتبر إجراء إيجابيًّا لا يؤخذ في الحالة المصرية على محمل الجد، حيث إن إدارة السيسي في مصر قد استأصلت أو همّشت كل المتحاورين المُحتملين، فسحقت ولاحقت الإسلاميين والليبراليين، كما يفتقد الجيش المصري لمحاورين يمكن التفاوض معهم لتحقيق مشاركة أوسع في صوغ القرارات الوطنية.

الانتقال السياسي

وفي مقال له بصفحة ديوان على موقع المعهد الأمريكي بعنوان "وحيدًا على الذُرى في مصر"، شدد على حاجة الوضع في مصر إلى مشاركة أوسع في آليات صنع القرار الوطني، سواء في إدارة شئون الاقتصاد والمالية العامة ودعم الأسواق، أم في قطاع التنمية الاجتماعية.
وأكد أن تلك الحاجة تتطلب شيئًا محدّدا هو الانتقال السياسي. ولكن لن يحدث هذا في المستقبل القريب، وبطريقة سلمية، سوى إذا ما باشرته القوات المسلحة بنفسها.

وأشار إلى أنه رغم الخطاب المُتفائل عن القاهرة والعواصم الغربية والمؤسسات المالية الدولية حول الآفاق والفرص في مصر، ولكن ما يخفى هو حقائق اجتماعية واقتصادية مُقلقة للغاية.
ففي تقديرات البنك الدولي في أبريل، فإن 60% من المصريين "فقراء أو مُعرّضون للفقر"، الأمر الذي يعكس جزئيًّا الانحدار الحاد للأمن المالي للطبقة الوسطى.

واتهم مؤشرات تحسن الاقتصاد الكلي، ونمو الناتج المحلي الإجمالي واحتياطات العملة الصعبة، بأنها تغفل حقيقة أن إدارة عبد الفتاح السيسي أثبتت أنها ليست أكثر قدرةً من الإدارات السابقة، منذ أن أسست القوات المسلحة الجمهورية عام 1952، على حل مشاكل تدنّي الإنتاجية والاستثمار المحلي وتفاقم أنماط النشاط الاقتصادي الطفيلية التي منعت البلاد من الوقوف على قدميها اقتصاديا.

أزمة الاستحواذ

وكشف "صايغ" عن أن من أشكال ما تواجهه مصر، طفرة زيادة السكان التي تبلغ مليوني نسمة سنويا ووجود دلائل على اختلال سوق العمل وتدهور نوعية العمالة.

غير أنه قال إن مثل تلك التحديات أفرزت الحركات الشعبية التي أجبرت الرؤساء المُستبدين المدعومين من الجيش على التخلي عن السلطة في الجزائر والسودان.

ولكنه اعتبر أن الوضع في مصر عسير، فأضاف إلى التحديات السالفة تداعي الجهاز البيروقراطي المدني للدولة، ما حدا بالقوات المسلحة بناء على تعليمات السيسي، إلى إدارة نحو ربع الأشغال العامة التي تمّولها الحكومة منذ العام 2014.

وعليه كشف أن تدخل هذه القوات في قطاعات اقتصادية متنوّعة كإنتاج الصلب والإسمنت والتنقيب عن الذهب، بهدف مُعلن هو تحقيق استقرار الأسعار في الأسواق وزيادة عائدات الدولة.

ولكنه اتهم القوات المسلحة بالتباهي بتفوّقها في مجالي الإدارة والمهارات الهندسية، ومع ذلك عجزت عن تعبئة موارد محلية كافية لزيادة الاستهلاك العام وزيادة الصادرات.

إدراك قريب

وتوقع الباحث بكارنيجي أنه ربما تدرك القوات المسلحة أنها لا تستطيع أن تعالج طويلاً القصور في الدوائر المدنية للدولة في توفير الإدارة الاقتصادية والخدمات العامة الأخرى، أو على أقل تقدير قد يستنتج كبار الضباط في السلك العسكري الذين ليست لديهم مصالح مُتجذرة في النشاطات الاقتصادية والتجارية للجيش، بأنه يمكن خدمة المصالح الاحترافية للقوات المسلحة على نحو أفضل، من خلال وقف الدور الراهن الذي تقوم به. وبالتالي، ربما يسعى هؤلاء إلى مخرج من هذا الوضع.

مرحلة التفاوض

وقال إن المسرح يعد الآن أمام القوات المسلحة للمبادرة إلى تدشين عملية انتقال سلمية. والحال أن مثل هذا التطوّر سيشكّل خبرا طيبا، لكن تنتصب في وجهه عقبة خطيرة.
ولكنه استدرك قائلا: "إدارة السيسي في مصر قد استأصلت أو همّشت كل المتحاورين المُحتملين، فسحقت ولاحقت الإسلاميين، والليبراليين، والديمقراطيين الاشتراكيين، والشبان النشطاء اليساريين. أما قطاع الأعمال فهو يعتبر صديقا للنظام لكن يعوزه الاتساق كطبقة حليفة، حيث إن أربابه الرئيسين هم إما على علاقة تبعية طفيلية مع الدولة للحصول على العقود، أو أنهم متضايقون من تجاوزات الجيش.

مصالح العسكريين

وفي تحليل لإدارة الأنظمة، قال إن الأنظمة، حتى السلطوية، تحتاج للارتكاز السياسي إلى التحالفات الاجتماعية، لكن لا يزال الأعضاء الرئيسيون في الائتلاف الحاكم المصري حتى اللحظة منخرطين للغاية في بوتقة المصالح الخاصة ومنغمسين في جهود تدعيم حصتهم من كعكة السلطة والأموال العامة، الأمر الذي يمنعهم من استشراف المخاطر أو التفكير في تغيير سلوكياتهم. لكن، فيما تبدو وزارة الداخلية الأكثر تصلّبا وارتكاسا، ربما بدأت القوات المسلحة تتلمّس الحاجة إلى الاستعداد للقيام بانسحاب منظّم من الدور السياسي المُسرف.

غير أنه وفي ضوء رؤيته، قلل من "تعديل" الدستور في أبريل 2019، حيث أطلق يد القوات المسلحة "لحماية الدستور والديمقراطية" و"الحفاظ على ركائز الدولة المدنية"، حيث شرعن بوضوح أي تدخلات مستقبلية للجيش وفق نموذج انقلاب يوليو 2013، إلا أن الصحيح أيضا، على المنوال نفسه، أنه ربما كان هذا التعديل مصمّما كذلك لتمكين القوات المسلحة من انتشال نفسها من لُجج الصراعات السياسية المعقّدة ومن حلبة التنافسات المؤسسية الخاصة بحكم مصر، لكن من دون التخلي عن السلطة كليا أو إدارة الظهر للنظام الذي تخدمه، أو إلزام نفسها بخدمة السيسي أو أي رئيس مستقبلي على نحو تام وقطعي.

وخلص إلى أن مثل هذا الدور السياسي المُتبقي هو ما سعت إليه القوات المسلحة التشيلية في الدستور المعدّل الذي صاغته عام 1980، وهو ما حصل عليه الجيش التركي قبل إعادته السلطة الفعلية إلى المدنيين بعدها بثلاث سنوات. قد يكون من المغالاة بالتفاؤل ترقّب ولادة مماثلة في مصر. غير أنه، حتى لو أدركت القوات المسلحة المصرية تماما الحاجة إلى تحقيق هذه الخطوة ودفع الرئيس والشركاء الآخرين في الائتلاف المؤسّسي الحاكم إلى التفاوض على عملية انتقالية، ربما يكون الأوان قد فات ليكون الانتقال سلميا ومنظّما في آن.

Facebook Comments