بدأت صباح اليوم الثلاثاء ما تسمى بانتخابات مجلس الشيوخ وسط تجاهل شعبي واسع، فالشوارع في جميع محافظات الجمهورية كعادتها كل يوم، ولا جديد يمكن رصده مختلفا، رغم أن لجان هذه المسرحية فتحت أبوابها منذ التاسعة صباح اليوم دون مشاركة تذكر من جانب المواطنين الذين يرون أن ما يجري مسرحية لا علاقة لهم بها.

في مصر اليوم انتخابات بلا ناخبين، ولولا اللافتات المعلقة التي تتحدث عن هذه الانتخابات ما شعر المواطنون بها أبدا، فهذه انتخابات في إعلام النظام ولافتات الشوارع أما داخل اللجان فهي خاوية على عروشها لا تكاد تسمع إلا همسا.

ما قبل ثورة يناير 

هذه المشد البائس يعيد إلى الأذهان كيف كانت الانتخابات حقا بعد ثورة 25 يناير؛ عندما كان المواطنون يدركون أن لإرادتهم سلطة ولصوتهم معنى قادر على إحداث التغيير، وبالانقلاب داس العسكر على إرادة الجماهير، ففقدوا أي أمل في التغيير عبر الانتخابات ولعل هذا يفسر أسباب العزوف الشعبي الواسع عن كل المسرحيات السياسية التي جرت في أعقاب انقلاب 3 يوليو 2013م.

فمسرحية الشيوخ جرى تستيفها في غرف الأمن الوطني والمخابرات العامة وانتهى الأمر، وسواء شارك المواطنون أم لم يشاركوا فإن قائمة الناجحين فيها قد أعدت بالفعل وسيجري إعلانها في الأوقات المحددة. فهناك مائة في القائمة الموحدة التي تجري نظام القائمة المغلقة وهو نظام قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريته من قبل. كما أن هناك قائمة واحدة فقط دون منافس فكيف تجري انتخابات بلا منافسين؟ هذا لا يحدث إلا في بلاد الواق واق. أما المائة الثانية بالنظام الفردي فقد وقع الاختيار على الناجحين بالفعل وكلهم بالطبع من أنصار النظام.

فقرا أوي

أما المائة الثالثة فيعينها رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي. مليارات لكسب الولاءات السيسي أكد مرارا أن مصر بلد فقير أوي، وهو حتى اليوم لم يفلح في زيادة الدخل القومي مطلقا ، ويعتمد نظامه على ثلاثة موارد أساسية هي التوسع في القروض حتى ارتفعت الديون من 1.7 تريليون جنيه إلى أكثر من 6 تريليونات جنيه في ست سنوات فقط. والثاني هو زيادة الرسوم والضرائب الباهظة على الشعب حيث تمثل إيرادات الضرائب نحو 80% من قيمة إيرادات الموازنة العامة للدولة. والثالث هو المنح والمساعدات التي يحصل عليها دول الخليج وجهات دولية أخرى وهو البند الذي تراجع في ظل معاناة عواصم الخليج من تداعيات تفشي جائحة كورونا وانخفاض سعر البترول.

ولاءات السفهاء

وإزاء هذه الصورة البائسة من السفاهة حقا أن يعيد النظام ما يسمى بمجلس الشيوخ وهو مجلس بلا صلاحيات حقيقية ولا هدف منه سوى ترضية بعض الموالين للنظام في إطار توزيع الغنائم والمناصب وترضبة البعض وكسب ولاءاتهم.

وكانت تقديرات خاصة بما تسمى بالهيئة الوطنية للانتخابات تؤكد أن تكلفة هذه المسرحية تصل إلى ملياري جنيه، وكان البرلمان قد خصص 500 مليون جنيه لهذا المجلس الوليد بما يساوي مليارين ونصف المليار على مدار خمس سنوات. معنى ذلك أن هذا المجلس الصوري منعدم الصلاحيات سوف يكلف مصر الفقيرة أوي نحو 4.5 مليار جنيه، كان من الأولى تخصيصها للصحة أو التعليم أو إقامة مشروعات منتجة لتوفير آلاف من فرص العمل بدلا من هذه السلوك السفيه من نظام أدمن كل شيء سفيه. يقول الباحث في الشؤون ‏الاقتصادية، عبدالنبي عبد المطلب، إن هذه الأموال المرصودة سواء للإنفاق على العملية ‏الانتخابية أو للصرف على المجلس الجديد غير مؤثرة على ‏موازنة تريليونية، ‌‎ ‎ومع ذلك كان من الأفضل توجيه هذه الأموال ‏لدعم التعليم، أو زيادة مرتبات المعلمين.

تقليص صلاحياته 

وأوضح أن دور ‏مجلس الشيوخ تقلص كثيرًا في ظل ثورة المعلومات والإنترنت ‏وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة، فمراكز الأبحاث ‏والجامعات ‏أقدر على إعداد الدراسات والأبحاث، وأولى بالموازنة المرصودة ‏لمجلس الشيوخ، كما أن زيادة المؤسسات ستؤدي إلى التضارب ‏في الاختصاصات.‏ ويرى الخبير الاقتصادي، أحمد ذكرالله، أن "هذا المجلس لا عائد من ورائه سوى توزيع أو شراء ‏الولاءات السياسية من خلال العصبيات في القرى والنجوع، فلم يكن له أي دور على أرض الواقع لا سابقًا ولا حاليًا في النواحي ‏التشريعية أو إعداد القوانين سوى أدوار صورية، وبالتالي هي ‏أموال مهدرة، كان يجب أن تنفق على الأوجه التي يستفيد منها ‏المواطن المصري".

Facebook Comments