تمثل أزمة سد النهضة وبدء إثيوبيا، الأربعاء المقبل بداية يوليو 2020م، في حجز المياه أمام بحيرة السد تهديدًا خطيرا للأمن القومي المصري، وبالمثل فإن التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير للسعودية، واتجاه حكومة الاحتلال الإسرائيلي نحو ضم أجزاء من الضفة الغربية، كلها قضايا تشكل تهديدا للأمن القومي المصري ونفوذ مصر في منطقة البحر الأحمر والإقليم كله؛ إلا أن نظام رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي يعرض عن هذه التهديدات التي تضر بمصالح مصر الوطنية، ويركز كل اهتمامه على رسم “خطوط حمراء” في ليبيا، وهي قضية لا تمثل خطورة على أمن مصر القومي بنفس القدر الذي تهدده القضايا السابقة.

لا يوجد تفسير لهذه الصورة الدراماتيكية، سوى أن “السياسة الخارجية المصرية أصبحت تحت سيطرة المحور الإماراتي السعودي؛ وبالتالي فإن السياسة الخارجية المصرية باتت تعبر عن مصالح رعاة النظام والطموحات الشخصية للسيسي بدلا من أن يتم تكريسها لخدمة المصالح الوطنية المصرية وحماية أمنها القومي، لسببين: الأول هو الدور الكبير الذي قدمته هذه النظم الخليجية لإنجاح انقلاب 3 يوليو ضد المسار الديمقراطي. والثاني، هو المساعدات الهائلة التي تقدمها ممالك الخليج للنظام في مصر والتي وصلت إلى 23 مليار دولار في أعقاب الانقلاب مباشرة، ولا تزال تقدم له الدعم المالي والسياسي والإعلامي حتى اليوم.

وتعاني السياسة الخارجية المصري من انحراف كبير كلما كانت القاهرة تمر بأزمة اقتصادية خانقة؛ وفي تحليل بعنوان «تأثير الأزمة الاقتصادية في مصر على سياستها الخارجية»، تناولت الأناضول أبعاد هذا الانحراف في السياسة الخارجية المصرية قائلة: «يشير توجيه السيسي، السبت الماضي، للجيش بأن يكون “جاهزا للتدخل العسكري في ليبيا”، إلى وجود انحراف جديد اتضحت ملامحه منذ فترة طويلة في السياسة الخارجية للبلاد.

ويعد تبني مصر موقفا متساهلا للغاية إزاء قضية سد النهضة الإثيوبي، ومنحها جزيرتي تيران وصنافير الاستراتيجيتين للسعودية، وصمتها حيال سعي إسرائيل لضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، و”سياسة الصقور” بشأن الأزمة الليبية، من الأشياء المهمة التي تعكس أبعاد هذا “الانحراف السياسي».

تعزو الأناضول أسباب ذلك إلى الضعف الاقتصادي الذي يتمثل في ارتفاع معدلات البطالة بسبب انخفاض معدلات النمو، إضافة إلى عدد السكان الذي يزيد على 100 مليون نسمة، ولا يزال يزداد بسرعة. كما تواجه البلاد عجزا في الحصول على موارد غذائية أساسية كافية لإطعام السكان، نتيجة الضغط الذي يشكله “الدعم الحكومي للسلع” على الميزانية العامة، إضافة لهجرة العقول ذات المهارات العالية إلى الخارج.

خطورة اليد السفلي

تكاد تجمع الآراء على أن بقاء مصر كيدٍ سفلى دائما تتلقى المنح والمساعدات من الآخرين، جعلها تفقد وزنها الإقليمي لحساب قوى أخرى. ووفقا للتحليل فإنه رغم أن مصر تحتل مكانة مركزية في العالمين العربي والإسلامي على الصعيد العسكري والفكري والثقافي والديموغرافي، فإن احتياجاتها الهائلة هي أكبر عقبة أمام تبنيها سياسة خارجية تهدف إلى حماية مصالحها الوطنية.

ويرى التحليل أن افتقار مصر إلى الموارد الاقتصادية اللازمة لتلبية احتياجات السكان، دفعها نحو استخدام مزاياها العسكرية والفكرية والثقافية والديموغرافية وسائل لتلبية هذه الاحتياجات. ولذلك تدخل السياسة الخارجية المصرية تحت سيطرة التوجه من أجل مساعدة البلاد بشكل أكبر في التغلب على الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها بالداخل. وهذا هو السبب في أن “السياسة الخارجية لمصر أصبحت تحت سيطرة روسيا في الستينيات، والولايات المتحدة في الثمانينيات، والمحور الإماراتي السعودي في مرحلة الربيع العربي”. ومن ثم فهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمساعدات الاقتصادية التي وعدت هذه الدول بتقديمها إليها.

تحت الوصاية الخليجية

وبحسب التحليل، فإن مصر تعاني من أزمة اقتصادية خانقة مع مطلع 2020 وتفشي جائحة كورونا، لأسباب عديدة منها انخفاض أسعار النفط، وهو ما أدى إلى تراجع حاد بالتحويلات التي يرسلها المصريون العاملون في منطقة الخليج إلى بلادهم، والتي بلغت نحو 26 مليار دولار في 2019م. علاوة على ذلك، فقدَ العديد منهم وظائفهم في دول الخليج خلال هذه الفترة، واضطروا للعودة إلى بلادهم.

كما أفضى تراجع سعر النفط إلى تراجع كبير في الصناديق الاستثمارية الخليجية التي تدخل البلاد، إذ جذبت القاهرة العام الماضي، استثمارات بنحو 8.5 مليارات دولار معظمها من الخليج.

ومن أبعاد الأزمة الاقتصادية أيضا توقف قطاع السياحة تماما بعد تفشي كورونا؛ الأمر الذي أدى إلى خسائر كبيرة في عائدات الاقتصاد المصري. حيث بلغت عائدات السياحة 12.6 مليار دولار في 2019م.

هناك أيضا انسحاب كبير لرؤوس الأموال تقدره الأناضول بـ8.5 مليارات دولار، بينما تؤكد تقارير أخرى هروب نحو 21.6 مليار دولار من الأموال الساخنة خلال الشهور الثلاثة الماضية.

كما يمثل تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي بسبب كورونا، خفّض عائدات قناة السويس التي بلغت 5.8 مليارات دولار في 2019. وينتهي التقرير إلى أن كل هذه العوامل دفعت مصر لتكون “أسيرة للدولار والنفط الخليجي”.

نحو فشل جديد في ليبيا

وبينما تعتبر مسألة حماية الحقوق في مياه النيل وبسط التأثير في منطقة البحر الأحمر هي الأجندة السياسة الخارجية الأساسية للقاهرة، فإن “الزج بالجيش المصري داخل ليبيا سيكون علامة على فشل جديد”. على هذا الأساس يمكن فهم أبعاد إعلان الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، الدبلوماسي السعودي يوسف العثيمين، بأن “الإخوان المسلمين أخطر من داعش”. وذلك لتحقيق هدفين:

•  أولهما، القضاء على تعاطف ودعم الرأي العام الغربي مع الحكومة الليبية، من خلال إظهارها بصورة “الحكومة التي لها علاقة بالإرهاب”.

•  وثانيهما، تسهيل عمل إدارة السيسي بالداخل، وذلك لأنه رغم الانقلاب العسكري في 2013، تشكل حركة “الإخوان المسلمين” أكبر كتلة دعم اجتماعي معارضة في مصر.

وبهذه الطريقة، يريد المحور الإماراتي السعودي، إضافة للدعم الاقتصادي الذي يقدمه إلى مصر، قمع حركات المعارضة المنظمة المحتملة ضد إدارة السيسي. وعندما نلقي نظرة فاحصة على السياسة الخارجية التي يتبعها السيسي بشأن اليمن وليبيا، يمكننا القول بكل سهولة، إنه “متحمس لتأجير القدرة العسكرية والثقافية والفكرية والديموغرافية للدولة المصرية”.

وهناك أمران محزنان في هذا الأمر، أولهما تضرر صورة مصر ومكانتها المركزية من خلال استخدامها أداة لطموحات السيسي الشخصية، والسياسات المغامرة للمحور الإماراتي السعودي.

وثانيهما، إضعاف القاهرة بكل ما تمتلكه من إمكانات عبر هذه السياسات غير محسوبة العواقب، لأنه بينما يحاول المحور الإماراتي السعودي إضعاف القدرة العسكرية لمصر من خلال الزج بها داخل ليبيا، تحاول إسرائيل خنقها من خلال دعم إثيوبيا في مسألة بناء السد.

Facebook Comments