مات ابنُ عمٍ لي منذ يومين، سنه قريبٌ من سني، مات فجأة كما يموت الكثيرون الآن، غير أنه مات بالمسجد وهو يتوضأ وضوء العشاء، فغبطته لوفاته على هذه الصورة؛ في ضيافة الله وفي بيت من بيوته. وعدتُ بالزمن إلى الوراء ونحن في مرحلة الطفولة؛ نلعب سويًّا ونأكل سويًّا، ونتخاصم ونتصالح، ثم افترقنا في زمن الشبيبة، ثم صرنا كهولاً، ثم مات ابنُ العم، وقد سبقه الأجداد والآباء وكثيرٌ من الأهل والأحباب -رحمهم الله جميعًا..

وهذا هو حال الدنيا وناموسها الذي لا يتبدل؛ إذ كلُّ من عليها فان ويبقى وجهُ ربك ذو الجلال والإكرام، والعمر لحظة -كما يقولون، واسترجع إن شئتَ أيام عمرك فإنك تحصيها فى دقائق وقد استغرقتْ -بحساب الدنيا- ستين أو سبعين سنة. دخل يزيد الرقاشي على عمر بن عبد العزيز، فقال له: عظني، قال يزيد: لستَ أول خليفة يموت يا أمير المؤمنين، قال: زدني، قال: لم يبق أحدٌ من آبائك من لدن آدم إلى أن بلغت النوبة إليك إلا وقد ذاق الموت، قال: زدني قال: ليس بين الجنة والنار منزلٌ، والله (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: 13، 14]، وأنت أبصرُ ببرِّك وفجورك. فبكى عمر حتى سقط عن سريره.

وقد حفل الشرع بعشرات الشواهد التي تبين ماهية هذه الحقيقة المطلقة (الموت)، وربطها بالحياة الآخرة، معتبرة الدنيا دار عمل، أما التي بعدها -وهي الأبقى- فهي دار جزاء (إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ) [غافر: 39]، (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ثمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى) [النجم: 39- 41]، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115].

وبيَّن الشرع كذلك أن الموت هو الحد الفاصل بين الحياتين، الفانية والباقية، وأن هذا لا يخفى إلا على مجنون أو ضال ذي مذهب فاسد في المعتقد والفكر ممن يرونها: (أرحامٌ تدفع وأرضٌ تبلع)، أو كما قال أسلافهم الكافرون: (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) [المؤمنون: 37]، (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ) [الجاثية: 24].

من ثم وجب على العاقل التفكُّر في الموت، وفيما بعده، وأن يسترشد بذلك فى أمور دنياه وإلا كانت حياته كحياة العجماوات؛ أكل وشرب وإخراج ونسل ثم نفوق دون أسى من قريب أو بعيد، ومن لم يتعظ بالموت فلا واعظ له، كما ورد عن المعصوم –صلى الله عليه وسلم-: "كفى بالموت واعظًا، وكفى باليقين غنًى"؛ فإن ذلك القادم المباغت لا يخشى أحدًا، ولا يستثنى مخلوقًا، نبيًّا أو وليًّا، قيصرًا أو ملكًا، ولا يستأذن من أحد، وليس لمخلوق خيارٌ في زمنه أو موضعه (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء: 78]، (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) [لقمان: 34].

لقد تحول الموت الآن -للأسف- إلى (طقوس!) يؤديها أهلُ الميت والمعزُّون، ومن لم يفعلها يقع تحت طائلة المعايرة والاستهجان. أما سنن وفقه الموت والميت فقد ضاعت إثر طغيان العادة والتقليد؛ فمثلاً: ربما التزم المشيعون الصمت فى طريقهم بالمتوفَى إلى قبره -وإن كان ذلك لا يمنع رد أحدهم على "الموبايل" أو السلام على من يسير بجواره، حتى فُقدتْ السكينة التى أمرنا بها الشرع وقت التشييع؛ إلا أن رحلة العودة -وقد رجعوا إلى دنياهم بعدما واروا الفقيد- فلا تخلو من اجتماعات مصغرة –وهم يسيرون- ينصبُّ الحديث فيها حول "المعاملات" التي بينهم، وما قيل وقال بعيدًا عن "عبرة الموت" التي لم يغادروا محيطها بعدُ.

وقسْ على ذلك سرادقات العزاء التي تطفح بالتفاخر و"المنظرة!" والتباهي بأعداد الحاضرين، وأسماء القارئين، و"الكلفة الخيالية" التي يتكبدها -غالبًا- الورثة الذين ربما كان فيهم الضعفاء والفقراء والمساكين.

وإذا كانت الصحوة الإسلامية –على مدى سنين وبعد معارك كبيرة- قد نجحت في إماتة العديد من الأعراف الفاسدة والعادات الرذيلة والمظاهر الشركية والشعبذات -فإنه بقي منها البعض مما تغديها العصبية القبيحة والجهل المقرون بقدرة حامله على البذخ والإنفاق.

ليس مطلوبًا منا شقُ الجيوب ولطمُ الخدود واستدعاءُ دعوى الجاهلية؛ فهذا مما نُهينا عنه رغم أن الموت مصيبة كما سماه الله (فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ) [المائدة: 106]؛ إنما المطلوب: الإشفاق على حالنا مع الدنيا، وإعادة النظر فى مواقفنا جميعًا؛ ما نأخذ وما ندع، ما نسعى إليه وما نفرُّ منه. ألا ترى الرجل يموت فلا يأخذ معه من ماله ومباهج دنياه شيئًا؟ لا يأخذ معه سوى عمله، وقد يكون قد أفنى حياته (القصيرة جدًّا) فى حصد الخطايا، وجمع الذنوب، وإتلاف ما بقى له من رصيد نجاته عند الله.

إن ما نعانيه هو قسوة القلب التي سببها ضعف الإيمان ووهن العقيدة؛ لوحل الدنيا الذي أسقطنا فيه أنفسنا برغبتنا وهوانا، وإن "تليين" القلب لا يكون إلا بالتخفف من الفانية، والإقبال على الباقية، والحرص على العمل الصالح، ودوام محاسبة النفس، والمبادرة إلى التوبة النصوح، وأن تترك كل عمل -كما قال أبو حازم- كرهت الموت لأجله. أو كما قال ابن عمر -رضى الله عنهما-: "إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن صحتك لمرضك، ومن فراغك لشغلك"، أو كما أوجز المعصوم -صلى الله عليه وسلم-: "كن فى الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".

رحم الله موتانا وموتى المسلمين. اللهم لا تفتنَّا بعدهم، ولا تحرمنا أجرهم، واغفرْ اللهمَّ لنا ولهم. آمين.

Facebook Comments