أبدى تقرير لموقع Al-Monitor الأمريكي، اندهاشه من توجهات وسياسات بعض العواصم العربية التي تدعم إقامة دويلة كردية على الأراضي السورية والعراقية.
واعتبر التقرير ذلك مناكفة للدور التركي الذي أفضى تدخله في ليبيا إلى تغيير موازيين القوى لصالح حكومة الوفاق المعترف بها دوليا ضد مليشيات اللواء خليفة حفتر المدعوم من الرياض وأبو ظبي والقاهرة.

وبحسب التقرير فإن خصوم أنقرة يتحركون في المنطقة لأبعد من حدود ليبيا، رداً على التدخل العسكري التركي الذي غيّر ميزان القوى في الصراع الليبي. فبعد إعلان مدينة سرت وقاعدة الجفرة خطاً أحمر، تعزز مصر وشركاؤها الجهود لعرقلة أنقرة على الجبهة الدبلوماسية وكذلك في العراق وسوريا.
وتزامناً مع توثيق العلاقات مع دمشق، سارت مصر على خطى الإمارات والسعودية بالتركيز على الأكراد السوريين. ورغم نفي حكومة الانقلاب الأنباء التي نشرتها وكالة الأناضول حول دعم رئيس الانقلاب في مصر لنظام بشار الأسد وإرسال نحو 150 عسكريا لمحافظة إدلب السورية؛ إلا أن مثل هذه المساعدة المصرية لدمشق لن تكون مفاجأة نظراً لسير الأحداث.

وقد ظهرت بالفعل دلالات وافرة على أنَّ المحور المصري-الإماراتي-السعودي يتبع استراتيجية تهدف لاحتواء تركيا وتشتيتها في مناطق النزاع القريبة منها. وفقا للتقرير، يمكن اعتبار تحركات الدول الثلاث والعلاقات التي تسعى لتطويرها رداً على تركيا، وبالرغم من بعض الاختلافات والفجوات، تكمل كل من الدول الثلاث الأخرى في ما يتعلق بأغراضها المرجوة.
ففي نوفمبر2016، على سبيل المثال، أفادت صحيفة "السفير" اللبنانية المقرب من إيران وسوريا بأن مصر أرسلت 18 طيار مروحيات لمساعدة الجيش السوري وخططت لنشر عسكري أكبر مستقبلاً. وجاء التقرير اللبناني عقب زيارة أجراها رئيس المخابرات السورية علي مملوك إلى القاهرة في الشهر السابق له. وبمجرد تصدر رئيسا مخابرات دولتين مؤثرتين في الشرق الأوسط للمشهد، يتضح أنَّ التعاون العلني أو السري موجود ضمن الخطط.
وتحاول مصر منذ فترة تمهيد الطريق لعودة سوريا إلى الجامعة العربية في الوقت الذي تسعى فيه لتطوير علاقات مع الممثلين الأكراد. إذ سمحت لقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد بفتح مكتب في القاهرة، ويسّرَت الحوار بين الأكراد والمعارضين السوريين المقيمين في القاهرة، وسعت لتكون حلقة الوصل بين الأكراد ودمشق.
وفي الخريف الماضي، أشاد قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي – المعروف أيضاً باسم مظلوم كوباني- علناً بانتقاد القاهرة لعملية "ربيع السلام" العسكرية التركية التي استهدفت المقاتلين الأكراد شرقي الفرات. وجاءت تلك العملية بنتائج سلبية دبلوماسية ضخمة ضد أنقرة، إذ استقبلت الرياض وأبو ظبي والقاهرة ممثلين عن قوات سوريا الديمقراطية. وبحسب ما ورد ترأس كوباني نفسه الوفود التي ذهبت إلى الرياض وأبو ظبي.

والأبرز من ذلك هو أنَّ مصر انتقدت صراحة العمليات العسكرية التي تشنها تركيا في شمال العراق وسعت إلى الاستفادة من قلق بغداد لتعزيز العلاقات الثنائية وجذب العراق إلى الحظيرة العربية قدر الإمكان. العرب هم الخاسرون وفقا لتقرير موقع Al-Monitor الأمريكي، قد تفشل مناورات المحور المصري- الإماراتي-السعودي في نهاية المطاف في تغيير التوازن متعدد العوامل في ليبيا، لكن الثلاثي يحاول أن يخلق مشاكل لأنقرة من خلال الانخراط في المناطق المضطربة على طول الحدود التركية، والأهم من خلال العلاقات مع الأكراد.

وبحسب التقرير، فإن هذه السياسة ــ في الأغلب ــ سيكون تأثيرها محدوداً على تركيا، حيث تمثل القضية الكردية خطاً احمر بالنسبة لكل الأتراك، ولكن تأثيرها الأخطر سيكون على الأغلبية العربية السنية في سوريا. فبعد أن تعرضت هذه الأغلبية لعملية تطهير طائفي من النظام عبر القتل والتهجير (والذي أدى على الأرجح لفقدان سوريا أغلبيتها السنية العربية)، فإن الأكراد بدورهم يقيمون في شمال شرق سوريا دولة تشبه حالة الأبارتهايد في جنوب إفريقيا حيث تحكم أقلية كردية أغلبية عربية سنية.
إضافة إلى ذلك، فقد أتاح القضاء على تنظيم الدولة "داعش" ككيانٍ سياسي، في مارس 2019، الفرصة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، التي تُشكّل مظلة للمقاتلين الأكراد والعرب، للسيطرة على نحو ثلث الأراضي السورية، حيث يُقيم ملايين السوريين ومعظمهم من غير الأكراد، حسبما ورد في ورقة بحثية أعدها الباحثان إليزابيث تسوركوف زميلة أبحاث في منتدى التفكير الإقليمي، المتخصصة في الشؤون السورية والعراقية، وعصام الحسن الباحث المقيم في دير الزور، متخصص في السياسة القبلية، ونُشرت في موقع مركز كارنيغي.
ويُشكّل إنشاء الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا، أي الهيئة المدنية التي تحكم المناطق الواقعة في شمال شرقي البلاد وشرقها، التطوُّر الأهم في المشروع السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي.
وأُنشئ حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي عام 2003، على يد عناصر سوريين في حزب العمال الكردستاني المسلح، المناهض للدولة التركية، الذي غالباً ما يشنّ هجمات من جبال قنديل العراقية، حيث مقرّ قيادة الحزب (والحزب مصنف حزباً إرهابياً في تركيا ومعظم الدول الغربية، ورغم الصِّلات المعروفة لحزب العمل بالاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، إلا أن الدول الغربية تصر على الفصل بينهما، كما تعتبره حليفها الأول في سوريا).
يقول السكان المحليون في المدن ذات الأكثرية العربية الخاضعة لسيطرة "قسد" إنَّ تهميش العرب من آلية الحكم في مناطقهم يولِّد مشاعرَ استياء لدى العرب المثقَّفين والمتمرِّسين، الذين يعتبرون أنفسَهم غير معنيين بإدارة مناطقهم. وكانت الإمارات هي الدولة الوحيدة في العالم إلى جانب الكيان الصهيوني التي أيدت استفتاء استقلال كردستان العراق، الذي انتهى بكارثة للإقليم خسر فيها الأكراد السيطرة على مدينة كركوك الغنية بالنفط.

وبحسب التقرير الأمريكي فإن الدول العربية الثلاث مصر والسعودية والإمارات في خضم مناكفاتهم مع تركيا تعمل على تعزيز هيمنة الأقلية الكردية على الأغلبية العربية السنية في شمال وشمال شرق سوريا، بينما تسعى "قسد" إلى إقامة دويلة ظاهرها الديمقراطية وباطنها التمييز العنصري ضد العرب بدعم من العواصم العربية الثلاثة.

Facebook Comments