كتب: يونس حمزاوي
بلا شك، فإن أي تحليل منطقي ومحايد سوف ينتهي إلى أن قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي هو مصدر الإرهاب في العالم؛ لأن السيسي بانقلابه المشئوم في 3 يوليو 2013م، أغلق الباب أمام الحريات ونسف المسار الديمقراطي، وبث الروح لأفكار داعش المتطرفة، والتي كانت قد بدأت في التآكل بعد نجاح ثورة 25 يناير 2011، وإطلاق الحريات للجميع.

التباين بين الحركات الإسلامية

معلوم للجميع أن هناك تباينات كبيرة- فكريا وميدانيا- بين الحركات الإسلامية بكل تنوعاتها، بدءًا من تلك التي تهادن النظم وتنبطح أمام الأجهزة الأمنية، كالمدخلية، والرسلانية نسبة إلى محمد سعيد رسلان، وسلفية حزب النور بقيادة طبيب الأطفال ياسر برهامي، وصولا إلى الحركات التي تستخدم القوة والعنف ردا على مظالم النظم واستبدادها، كالقاعدة، وداعش، وتنظيم ولاية سيناء.

فبعكس سلفية حزب النور والرسلانية الذين يرون في أمثال السيسي وليا للأمر، يجب طاعته وعدم مواجهته رغم مظالمه وفساده وانقلابه على الحاكم الشرعي، فإن تنظيمات "القاعدة، وداعش، وولاية سيناء" ترى أن السيسي كافر مرتد، لابد من مقاومته بقوة السلاح والتصدي لمظالمه وجبروته بالقوة.

ويتجاوز "داعش" ذلك إلى تكفير عموم المسلمين الذين لا يدينون بالولاء لخليفتهم "البغدادي" أو غيره، ويهدرون دماء مُخالفيهم حتى لو كان الخلاف فكريا، وهو ما يفسر تكفيرهم للإخوان والحركات الإسلامية الأخرى التي تواجه الطغاة والمستبدين، ولا ترى في نهج داعش مسارا صحيحا للتدين المنشود والإسلام المعتدل.

الإخوان والفكر الوسطي

وبين تطرف الرسلانية والبرهامية في ولائهما المطلق للحاكم وأجهزته الأمنية من جهة، وتطرف القاعدة وداعش على النقيض من ذلك، فإن هناك مساحة كبيرة في الوسط بين الجانبين، يشغله الإخوان والحركات الإسلامية الأخرى، منها الجماعة الإسلامية في مصر، وغيرها مثل النهضة في تونس، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، والحركة الإسلامية في عموم البلاد العربية والإسلامية.

هؤلاء "الإخوان ومن سار على دربهم"، يؤمنون بالمسار السياسي، والتغيير عبر آليات الانتخاب، ولا يرون تصادما بين الإسلام وآليات الديمقراطية التي تحتكم إلى الشعب في المسائل محل الخلاف بين البرامج والأفكار المتعددة، وتؤمن بوجوب التعايش السلمي بين مكونات المجتمع التي تختلف وتتباين في معتقداتها وأفكارها السياسية وخلفياتها الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية.

"الانقلاب" ومأزق الإخوان

ومنذ تأسيس "الإخوان" على يد الإمام الشهيد حسن البنا، في عام 1928، وتبنيها للتغيير المتدرج، الذي يعتمد على التغيير الاجتماعي والسياسي عبر التوعية والدعوة وتغيير الأفكار وتبني مسار الانتخابات وآليات الديمقراطية، فإن الجماعة قد حققت كل ذلك عبر هذه الآليات، ووصلت إلى سدة الحكم بعد ثورة 25 يناير 2011، حيث فاز حزبها "الحرية والعدالة" بثقة الشعب المصري، وفاز بأكثرية البرلمان، وأغلبية الغرفة الثانية "مجلس الشورى"، كما نجح رئيس الحزب الدكتور محمد مرسي في انتخابات نزيهة شهدت أشرس معركة انتخابية تنافسية في تاريخ مصر كله.

فماذا حدث بعد ذلك؟

تآمرت الدولة العميقة على الرئيس وحكومته، وكما أنه لم يتم السماح لحركة المقاومة الإسلامية حماس بالحكم، بعد فوزها بالأغلبية في المجلس التشريعي في عام 2006، كذلك لم يسمح للإخوان ولا مرسي بالحكم، حتى تم الانقلاب عليه بعد مرور سنة واحدة فقط.

إذن.. انقلاب 3 يوليو 2013، لم ينسف المسار الديمقراطي فقط، بل وضع فعليا رؤية الإخوان للتغيير في مأزق كبير؛ إذا كيف ستقنع الجماعة عناصرها والمؤيدين لها بنفس المسار الذي رأى الجميع نهايته المؤلمة؟.

الرئيس تم اختطافه والحكم عليه بأحكام هزلية بتهم ملفقة، كما قتل العسكر الآلاف من أنصار الجماعة الذين خرجوا بالملايين يدافعون عن المسار الديمقراطي، وتم الزج بعشرات الآلاف في السجون والمعتقلات بتهم ملفقة، وفر الآلاف إلى بلدان أخرى؛ هربا من جحيم العسكر والقمع الوحشي والاستبداد العسكري الذي فاق كل تصور، وقضى على كل معالم الحريات والمسار الديمقراطي.

بلا شك، فإن انقلاب السيسي وضع رؤية الإخوان أمام محنة كبيرة، وبثت الحياة في أفكار داعش المتطرفة، وأمام القمع الوحشي والتعذيب المجنون في سجون العسكر، فقد الملايين من شباب الإسلاميين الثقة في مسار التغيير عبر آليات الديمقراطية والاحتكام إلى الشعب؛ لأن العسكر ببساطة يمكنهم مسح كل ذلك بدبابة، وإلغاء نتائج الانتخابات ما دامت لا تروق لهم ولا تحمي مصالحهم.

إزاء ذلك، فإن النتيجة الحتمية لكل ذلك هي أن السيسي- بانقلابه الدموي- هو مصدر الإرهاب، وسجون العسكر هي التي تفرخ العنف والتطرف والإرهاب. كما يعكس ذلك جهود الإخوان المضنية في حماية الشباب من الانزلاق إلى مستنقع العنف المضاد لمواجهة جرائم العسكر، والدعوة إلى الصبر الجميل حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

تحذيرات لا تجد صدى

إزاء ذلك، يمكن تفهم التحذيرات التي يطلقها بعض أصحاب الفكر والضمير، الذين يحذرون من التداعيات الكارثية للقمع الوحشي وغير المسبوق من جانب قائد الانقلاب وأجهزته الأمنية، باعتيار هذه الممارسات الوحشية تغذي العنف وتخلق الإرهاب.

حيث أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان، الأمير زيد بن رعد الحسين، اليوم الإثنين، عن قلقه بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر، موضحًا أن الإجراءات الأمنية العنيفة التي تمارسها السلطات تغذي التطرف.

وشدد- في مؤتمر صحفي بجنيف- على أن الحفاظ على الأمن يجب ألا يكون على حساب حقوق الإنسان، مضيفًا "نعم، لابد أن يكون الأمن القومي أولوية لكل دولة، لكن مرة أخرى ليس على حساب حقوق الإنسان".

وقال السيناتور الأمريكي ماركو روبيو، في 23 أبريل الماضي، في تصريحات لشبكة سي بي إس الإخبارية، ونقلتها مجلة بوليتيكو الأمريكية: "أشعر بالقلق الكبير في مصر من أسلوب الحكم تحت قيادة السيسي، والذي سيؤدي إلى نوع من التصادم العنيف، ونوع من الإطاحة المحتملة، وتغيير الحكومة، ما يؤدي إلى زعزعة الاستقرار".

وزاد بقوله: "عندما تستمر في الإساءة لشعبك، ستحدث انتفاضة على المدى الطويل، وسيكون هنالك عدم استقرار في الحكومة، ما يخلق البيئة التي يتكاثر فيها الجهاديون والمتطرفون".

وبحسب بوليتيكو، فقد أثار روبيو المخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر. ويرى مايكل دان، مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز كارنيدج للسلام العالمي، لـCNN: "سبب محدودية هذه المنافع بين نظام السيسي وأمريكا يرجع لحالة عدم الاستقرار والاستقطاب داخل مصر."

وتابع دان قائلا: "مصر تحت رئاسة السيسي تعتبر منتجا كبيرا للجهاديين؛ وذلك بسبب أوضاع حقوق الإنسان والانكماش السياسي وسوء الإدارة الاقتصادية التي أدت إلى نسب عالية من البطالة بين الشباب."

Facebook Comments