كتب – محمد مصباح
في الوقت الذي تواصل قطر نجاحاتها في إدارة أزمتها مع دول الحصار، بتقديم رؤى وحلول واقعية لوقف التصعيد غير المبرر، تتأزم على ما يبدو خيارات ومواقف دول الحصار التي باتت قيادتهم في الإمارات، حيث تواجه السعودية ترتيبات داخلية تتعلق بنقل مبكر للسلطة إلى محمد بن سلمان وما يمثله الأمر من اختلال في الأسرة الحاكمة وبروز صراعات وتحديات حقيقية، تؤجل القرار السعودي بتصعيد أكثر مع قطر، رغم ما يبدو في الأفق من تصعيد كلامي، وكذا قائد الانقلاب العسكري في مصر والذي يواجه تحديات جمّة قبيل مسرحية انتخابات 2018، بجانب فشله الاقتصادي وفضائحه بمجالات حقوق الإنسان والحريات التي فضحتها التقارير الدولية.

إفشال أمير الكويت
وبعد زيارة امير الكويت للولايات المتحدة، مؤخرا، بات المشهد الخليجي أكثر تعقيداً، خاصة بعد أن خرجت الخلافات من داخل الغرف المغلقة وتحولت إلي حالة من التلاسن علي العلن مثلما حدث في الجلسة التى عقدتها جامعة الدول العربية، وحضرها وزراء الخارجية العرب، والتى شهدت ولأول مرة في تاريخ الجامعة العربية تصاعد حدة الخلاف إلي هذه الدرجة وبهذا الشكل، وذلك بعد أقل من أسبوع علي زيارة أمير الكويت إلي الولايات المتحدة ولقاءه بالرئيس الامريكي الذي يبدو أنه قد مارس الضغط علي الأمير القطري من أجل الاتصال بولي العهد السعودي لتهدئة الأجواء وإيجاد حل لتلك الأزمة، إلا أن ذلك بدوره قد فشل خاصة بعد أن أسرعت السعودية بانتقاد وكالة الأنباء القطرية واتهامها بتشويه الحقائق، وإعلانها بناء علي ذلك قطع التواصل مع قطر، ومطالبتها بالرضوخ لشروط الرباعي العربي قبل أي محاولة لاستئناف الحوار.

تداعيات كارثية
ويعكس المشهد الحالي عدة تداعيات، لها ما بعدها في مسار الأزمة. أهمها:
-إعلان فشل أمير الكويت صباح الأحمد الجابر الصباح، الذي قاد الجهود العربية في حل الأزمة بالرغم من استخدام نغمةٍ تصالحية ومحاولة الوصول الي تفاهمات مشتركة ونسيان كل الخلافات، والملمح الأهم في هذا الصدد ليس عملية الفشل المتوقعة من الأساس، وإنما السبب في ذلك، إذ من الواضح ومن خلال تصريحات الأمير خلال لقاءه بترمب أن دول الحصار هي من يتحمل ذلك الفشل، وأن قطر تبدي مرونة كبيرة في الحل إن لم تكن قد قدمت تنازلات بشكل غير مباشر من أجل حلحلة الوضع، الأمر الذي أغضب دول الحصار وجعلها تنتقد التصريحات الكويتية، ما يعني أن هناك مغالاة وعدم رغبة في الحل إلا وفقا للشروط الخليجية التى تعني كسر الإرادة القطرية وجعلها تسير وفقا للرؤى الإماراتية والسعودية.

– قدرة الدول الخليجية خاصة الإمارات والسعودية علي التأثير علي الرئيس الأمريكي ترامب ودفعه لتأييد مواقفهم الساعية لكسر الإرادة القطرية، ونجاحهم في دفعه للتصريح الدائم بضرورة تخلي قطر عن دعم الارهاب، وإن كان من الواضح أن تصريحات ترامب لم تعد تمثل أزمة بالنسبة للنظام القطري، نتيجة لعمق الأزمة التى يعيشها ترامب في الداخل الامريكي، والقناعة بأن من يدير السياسة الخارجية في الوقت الراهن هي المؤسسات الأمريكية المتمثلة في وزراتي الدفاع والخارجية بالاضافة الي الكونجرس الامريكي، والذين يمتلكون موقفاً أكثر حيادية إزاء تلك الأزمة، بل ويتقاربون مع وجهة النظر القطرية أكثر من تقاربهم مع الدول الاخري، وهذا سبب تأخر حسم الموقف الخليجي المعادي لقطر.

– قيادة الإمارات لدول الحصار بما في ذلك السعودية ومصر، والتأثير الكبير لآل زايد علي ولي العهد السعودي، للدرجة التى تجعله يسحب كلامه مع الأمير القطري ويعلن مقاطعتها حتى تقبل بالشروط التى اتخذتها دول الحصار، وكأنه قد أخطأ أساسا في قبول التواصل والحوار مع تميم قبل أن يتواصل مع شركائه في الإمارات، وهذا يعكس قوة الدور الإماراتي وتأثيره الكبير في مجريات الامور التى تحولت من خلاف عادي إلى حالة من العداء الشديد بين النظامين الإماراتي والقطري.
– رغبة دولية في اطالة أمد الازمة التى تجعل من تلك الدول تسابق الزمن من أجل كسب المواقف الغربية لصالحها، وهو ما يمثل مصلحة كبيرة لتلك الدول ويجعلها تستغل تلك الازمة لإنعاش موازنتها الاقتصادية وزيادة مبيعات الأسلحة لديها، وذلك كله على حساب الأمن والاستقرار في المنطقة.

– هناك تخوفات في دوائر الحكم السعودي من محاولة قطر أن تلعب دورا في مسألة الخلاف السعودي الداخلي ما بين محمد بن سلمان ولي العهد وأعضاء في الأسرة الحاكمة والشعب السعودي علي خلفية مساعيه لتولي قيادة المملكة، ما يجعل بن سلمان يرضخ للضغوط الإماراتية ويقوم بالمغالاة في العداء لقطر بالرغم من محاولات الصلح التى بذلتها الكويت وتبذلها قوي أخري تتضرر من هذا الحصار.
ويعني ذلك في حقيقة الأمر أن قطر لديها الرغبة في وضع حد لذلك الحصار، ولكن دون أن يكون ذلك بهذا الشكل المهين الذي ترغب فيه دول الحصار، وهذه الرغبة ليست نابعة من تأثير الحصار السيء علي الاقتصاد القطري، وإنما نتيجة للتخوف من التقلبات الدولية خاصة في الموقف الامريكي المختلف حتى الآن بشأن حل الصراع الخليجي، إذ لا تملك قطر الكثير من أوراق الضغط التى يمكنها من خلالها التمسك بموقفها مهما كانت التحديات مثلما هو حال كوريا الشمالية وكذلك ايران أثناء الحصار الامريكي والدولي عليهم، فإذا ما استثنينا الدعم التركي الكبير للنظام القطري معنويا وعسكريا ونجاحه في الحيلولة بين دول الحصار وبين القضاء علي النظام القطري سواء عسكرياً أو سياسياً، نستطيع أن نقول أن قطر تحارب بمفردها دول صاحبة نفوذ اقليمي ودولي كبيرين، وهذا النفوذ ليس نابع من قوة مادية ولا عسكرية، بقدر ما هو نابع من توافق كبير لديهم مع الارادة الغربية والامريكية وتماشيهم مع مصالح القوى العظمي في العالم خاصة الولايات المتحدة التى لا تتحرك في الواقع سوى من أجل خدمة مصالحها في المنطقة والعالم.

لذلك يتوقع أن تطول تلك الأزمة إلي أن تحسم القوى الغربية مواقفها لصالح طرف من طرفي الصراع، فالطرفين يلعبان علي عامل الوقت وحدوث تغييرات دراماتيكية اقليمية أو دولية، وإن كانت الأمور حتى الآن تسير في صالح الموقف القطري الذي يحصل علي التعاطف الشعبي العربي والغربي، في الوقت الذي يعاني فيه النظام السعودي علي سبيل المثال من الخلافات الداخلية، وكذلك النظام المصري المقبل علي مسرحية الانتخابات الرئاسية، ما يعني أن الأمور قد تشهد العديد من التطورات خلال الفترة المقبلة.

مستقبل الأزمة
ووفق القراءة المتأنية لمسارات وتطورات الأزمة فإن دول الحصار بالرغم من تعنتها ومغالاتها في طلباتها قد تفشل في تحقيق نجاح حقيقي علي الارض.وهو ما يستوجي على قطر توسيع حجم تحالفاتها الدولية، والتي بات حل الازمة لديهم بنسب ككبيرة، في ظل الفشل العربي. 

Facebook Comments