بعدما اعترفت إدارته بالقدس عاصمة للدولة الصهيونية، وقطع المعونات التي كانت تُسلم للسلطة الفلسطينية مقابل موافقتها على اتفاقات أوسلو، لم تعد الولايات المتحدة في ظل الحكم اليميني الديني المتطرف للرئيس ترامب تعترف بشيء اسمه “فلسطين” من الأساس!.

القرار الأمريكي يصفه الدكتور عبد الله الأشعل، مساعد وزير الخارجية الأسبق، بأنه “تتويج للمشروع الصهيوني”، ويطالب برفع اسم إسرائيل من الخريطة لأنها مزروعة وغريبة، وتشكيل لجنة عربية لإشعار واشنطن بخطورة هذا الاتجاه.

ويصف “الأشعل” حذف واشنطن دولة عربية من الخريطة العربية بأنه “عمل همجي ويجب أن يستعيد مشاعر الكرامة”، مؤكدا أن “خضوع الحكومات العربية لواشنطن لا يُقعد الشعوب عن الرد”.

وعدَّد بعضًا من وسائل رد الشعوب على شطب ترامب لاسم فلسطين، مثل تنظيم مقاطعة كل ما هو أمريكي، وإرسال سيل من رسائل الشرح والاحتجاج للبيت الأبيض والإعلام الدولي، وأن تدرس وتشرف على التنفيذ اللجنة العربية الأهلية المقترحة.

والواقع أن إزالة اسم فلسطين من خريطة الأمريكان يعني:

1.    فشل ما عوّل عليه أصحاب نظرية أن “السلام مع الصهاينة سيعيد الأرض المحتلة”، وتأكيد أن المقاومة هي الحل لإرجاع الأرض، وأن العدو لا يعرف سوى القوة، وما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

2.    صمت القادة العرب عما فعله الأمريكان ومن قبل خطوات إجهاض القضية الفلسطينية والتنازل عن القدس، ليس له تفسير سوى أنَّهم عبيدٌ في بلاط الأمريكان، وأنَّ كراسي حكمهم مرهونة ومدعومة أمريكيًّا وإسرائيليًّا، وبالتالي لا يمكنهم التمرد على حماة مقاعدهم وإلا تخلّوا عنهم.

3.    أن النفوذ العربي في أمريكا والغرب الذي كان مرتبطًا بالمال انهار بعدما سلّمت الأنظمة العربية بالتطبيع، وأصبحوا أبقارًا يحلبها الأمريكان مقابل حمايتهم، وبعدما أصبح الصهاينة يحصلون على التطبيع المجاني دون أرض، فانتهت نظرية “الأرض مقابل السلام والتطبيع”!.

لماذا أزالوا اسم فلسطين؟

الأمر ليس صدفة أن يُزيل الموقع الإلكتروني لوزارة الخارجية الأمريكية صفحة خاصة بالأراضي الفلسطينية من لائحته للبلدان والمناطق، في أعقاب سلسلة من الإجراءات المؤيدة لإسرائيل من قبل إدارة الرئيس دونالد ترامب، والاستعداد لإعلان صفقة القرن التي تعطي للصهاينة كل شيء.

وسبق هذا تغيير وزارة الخارجية الأمريكية بعض العبارات في تقاريرها، ولم تعد تتحدث عن “أراض محتلة”.

ويؤيد ترامب إسرائيل بشكل صارخ، ورئيس وزرائها اليميني بنيامين نتنياهو، واتخذ العديد من القرارات التاريخية بما فيها الاعتراف بالقدس بشطريها عاصمة للدولة العبرية.

كما قرر تخفيض التمويل لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينية “أونروا”، وشجّع الحكومة الإسرائيلية أخيرًا على منع دخول نائبتين مسلمتين في الكونجرس الأمريكي تنتقدان إسرائيل وتقودان حملة لمقاطعتها، إلى الأراضي الإسرائيلية.

ورغم عدم إعلان واشنطن حتى الآن عن خطتها للتسوية (صفقة القرن)، لكن تسريبات متواترة (إسرائيلية وأمريكية وفلسطينية)، أكدت أنها تتضمن انتقاصًا خطيرًا للحقوق الفلسطينية، وخاصة فيما يتعلق بمدينة القدس، وملف اللاجئين، والاستيطان.

وبحسب العديد من المصادر، فإن الخطة تقوم على منح الفلسطينيين حكما ذاتيًّا في الضفة الغربية، مع الاعتراف بشرعية الاستيطان الإسرائيلي فيها، كما تسعى الخطة إلى إنهاء حق العودة للفلسطينيين وشطب قضية اللاجئين.

وتدعو الخطة أيضا إلى الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل فقط، ومنح الفلسطينيين عاصمة في ضاحية “أبو ديس” القريبة من المدينة.

وتظهر نسخة من الأرشيف من الموقع الإلكتروني في عهد الرئيس السابق باراك أوباما “2009-2017″، أن “الأراضي الفلسطينية” كانت مدرجة على لائحة البلدان والمناطق في الصفحة الافتتاحية وقسم مكتب الشرق الأدنى.

وتظهر في القائمة أسماء جميع الدول العربية، إضافة إلى إسرائيل، لكن دون أي إشارة إلى فلسطين التي كانت قبل عدة أشهر يشار إليها تحت تعريف “الأراضي الفلسطينية”.

وقال أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، صائب عريقات: إن شطب مصطلح الأراضي الفلسطينية “لا يتعلق بالمصالح القومية للولايات المتحدة، إنما يتعلق بتقدم جدول أعمال مجلس المستوطنين الإسرائيليين”.

وأعلنت السلطة الفلسطينية منذ أشهر عن أنها لم تعد تعتبر الولايات المتحدة وسيطًا نزيهًا في عملية السلام، ورفضت مبادرات السلام التي يطرحها ترامب، كما قاطعت مؤتمرا في يونيو الماضي في البحرين سعى إلى تنمية الأراضي الفلسطينية.

11 قرارًا لـ”ترامب” لتصفية القضية الفلسطينية

أصدرت الإدارة الأمريكية قرارات تشكل خطرًا حقيقيًّا على القضية الفلسطينية، لمساسها بالملفات الأساسية كـ”القدس” و”اللاجئين”.

وتنقسم هذه القرارات، وعددها 11، لنوعين: الأول يهدف إلى فرض وقائع على الأرض لمصلحة إسرائيل، كالاعتراف بالقدس عاصمة لها، ونقل السفارة إلى المدينة، والعمل على تصفية وكالة “أونروا” الأممية.

أما النوع الثاني فهي قرارات عقابية لرفضهم خطة التسوية المرتقبة المعروفة باسم “صفقة القرن”.

وكان آخر هذه القرارات، دمج القنصلية التي تعتبر قناة التواصل مع الفلسطينيين بخصوص المعاملات الرسمية الأمريكية، مع السفارة (قناة التواصل مع إسرائيل)، والتي نقلتها واشنطن في مايو 2018 من تل أبيب إلى القدس.

وفيما يلي رصد للقرارات التي اتخذتها إدارة ترامب ضد القضية الفلسطينية:

1-  الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

في 6 ديسمبر 2017، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رسميًّا، عن اعتراف إدارته بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، في خطوة لاقت إدانات وانتقادات عربية ودولية وإسلامية.

ووجه ترامب في خطابه، وزارة الخارجية إلى البدء بعملية نقل السفارة إلى القدس، لتكون أول سفارة بالمدينة المحتلة.

ومنذ إقرار الكونجرس الأمريكي عام 1995 قانونا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، دأب الرؤساء الأمريكيون على تأجيل التصديق على هذه الخطوة لمدة 6 أشهر، وهو التقليد الذي أنهاه ترامب.

2- تقليص المساعدات لـ”أونروا”

في 16 يناير 2018، بدأت واشنطن تقليص مساعداتها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”، حيث جمّدت نحو 300 مليون دولار من أصل مساعدتها لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين والبالغة حوالي 365 مليون دولار.

وتسبب ذلك الإجراء بمفاقمة الأزمة المالية التي كانت تعانيها وكالة “أونروا” أصلا، ما تسبب في اتخاذ إدارة الوكالة عدة قرارات أدت إلى تقليص خدماتها في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.

واعتبرت “أونروا” هذه الأزمة المالية بفعل تقليصات واشنطن لدعمها هي “الأكبر في تاريخها”. وتأسست “أونروا” بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949 لتقديم المساعدة والحماية لحوالي 5 ملايين لاجئ فلسطيني في مناطق عملياتها الخمس، وهي الأردن، وسوريا، ولبنان، والضفة الغربية، وقطاع غزة.

3- نقل السفارة إلى القدس

بعد نحو 5 أشهر من قرار واشنطن الأول الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، نقلت سفارتها فعليا من تل أبيب إلى المدينة في 14 مايو 2018.

وقال ترامب، في خطاب لاحق، إن نقل سفارة بلاده إلى القدس “يزيح ملف القدس من أي مفاوضات (فلسطينية ـ إسرائيلية).

4- قطع كامل المساعدات عن “أونروا”

بعد أشهر من قرار تقليص المساعدات، قررت الإدارة الأمريكية في 3 أغسطس 2018، قطع كافة مساعداتها المالية لوكالة “أونروا”، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر ناورت: إن واشنطن قررت عدم تقديم المزيد من المساعدات لأونروا بعد الآن.

وقد كشفت مجلة فورين بوليسي الأمريكية، في 4 من أغسطس 2018، عن أن إدارة ترامب بدعم من صهره ومستشاره جاريد كوشنر، وأعضاء في الكونغرس، يعملون على إنهاء وضعية “لاجئ” لملايين الفلسطينيين، من أجل وقف عمل وكالة غوث وتشغيل الفلسطينيين (أونروا).

ونقلت المجلة عن مسئولين أمريكيين وفلسطينيين (لم تكشف عنهم)، أن تلك المساعي تهدف إلى “إزاحة هذه القضية عن الطاولة في أي مفاوضات محتملة بين الإسرائيليين والفلسطينيين”.

كما نقلت صحيفة “يسرائيل هيوم”، في 30 يوليو/ تموز 2018، عن عضو في الكونغرس الأمريكي قوله، إنه يسعى إلى سن قانون جديد يعتبر عدد اللاجئين الفلسطينيين 40 ألفًا فقط من أصل 5.9 ملايين لاجئ مسجلين في وكالة “أونروا”.

5- قطع كامل المساعدات للسلطة الفلسطينية

في 2 أغسطس 2018، قال رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، في تصريحات خلال مؤتمر صحفي بمدينة رام الله: إن الإدارة الأمريكية قررت وقف كل المساعدات المقدمة للفلسطينيين.

ويشمل ذلك القرار “المساعدات المباشرة للخزينة وغير المباشرة، التي تأتي لصالح مشاريع بنية تحتية ومشاريع تنموية”، وفق الحمد الله.

وأصدر البيت الأبيض بيانا جاء فيه، أن واشنطن أعادت توجيه أكثر من 200 مليون دولار كانت مخصصة لمساعدات اقتصادية للضفة الغربية وغزة، إلى مشاريع في أماكن أخرى حول العالم.

وحتى عام 2012، كان متوسط الدعم الأمريكي للموازنة للفلسطينيين بين 250 ـ 300 مليون دولار، وفق بيانات الميزانية الفلسطينية.

وفي عام 2017، بلغ الدعم الأمريكي للموازنة الفلسطينية 75 مليون دولار، و80 مليون دولار في 2016، وقرابة 100 مليون دولار في 2015.

ويبلغ متوسط الدعم السنوي الأمريكي لفلسطين خلال السنوات العشر الماضية منذ 2008 نحو 600 مليون دولار، ووصل في بعض الأعوام إلى 800 مليون دولار، موزعة على الخزينة والأونروا ومؤسسات أهلية محلية.

6- وقف دعم مستشفيات القدس

أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 7 سبتمبر 2018 حجبها 25 مليون دولار، كان من المقرر أن تقدمها مساعدة للمستشفيات الفلسطينية في القدس، وعددها 6 مستشفيات.

وتقدم المستشفيات العاملة في القدس الشرقية خدمات طبية للفلسطينيين من سكان الضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية) وقطاع غزة وبعض الخدمات الطبية المتوافرة في مستشفيات القدس، غير متوافرة في الضفة الغربية وقطاع غزة مثل علاج الأورام والعيون.

ومستشفيات القدس الشرقية هي: مستشفى جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، ومستشفى الهلال الأحمر، ومستشفى سانت جون للعيون، ومؤسسة الأميرة بسمة، ومستشفى مار يوسف (شهرته: الفرنسي) ومستشفى الأوغستا فكتوريا ـ المطلع.

7- إغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية

أعلن أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات، في 10 سبتمبر 2018، أن الإدارة الأمريكية أبلغتهم رسميا بقرارها إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن.

وكشفت الصحيفة الأمريكية “وول ستريت جورنال”، عن أن إدارة ترامب تعتزم إغلاق مكتب بعثة منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وأن “الولايات المتحدة ستقف دائما مع صديقتها وحليفتها إسرائيل”، وأن “المكتب (بعثة منظمة التحرير) لن يبقى مفتوحا طالما يواصل الفلسطينيون رفض البدء بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل”.

8- إغلاق الحسابات المصرفية للمنظمة بواشنطن

أغلقت الولايات المتحدة الأمريكية في 10 سبتمبر 2018 الحسابات المصرفية لمنظمة التحرير الفلسطينية وجاء ذلك في نفس اليوم الذي أصدرت فيه الإدارة الأمريكية قرارا بإغلاق مكتب المنظمة بواشنطن.

9- اقتطاع 10 ملايين دولار من تمويل برامج شبابية

في 15 سبتمبر 2018 قررت الإدارة الأمريكية وقف تمويل برامج شبابية فلسطينية ـ إسرائيلية مشتركة بقيمة 10 ملايين دولار، وألمح جيسون غرينبلات، مساعد الرئيس الأمريكي، في تغريدة على حسابه في “تويتر” آنذاك، “أن القرار يأتي في سياق الضغط على الفلسطينيين”.

10- طرد السفير الفلسطيني من واشنطن

قررت الإدارة الأمريكية، في 16 سبتمبر 2018، طرد السفير الفلسطيني لديها حسام زملط، وشمل قرار إلغاء الإقامات أيضا أفراد أسرة السفير، وبينهم أطفاله.

ووصفت المنظمة ذلك القرار بـ”السلوك الانتقامي الذي يعكس ما وصلت إليه الإدارة الأمريكية من حقد على فلسطين قيادة وشعبا”.

11- دمج القنصلية الأمريكية مع السفارة بالقدس

قررت الإدارة الأمريكية في 18 أكتوبر 2018، دمج قنصليتها العامة في القدس المحتلة والتي تعتبر قناة للتواصل مع الفلسطينيين، مع سفارتها بالمدينة (قناة التواصل مع الإسرائيليين(.

وقالت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان لها، إن “الهدف من دمج القنصلية بالسفارة هو لزيادة التأثير والكفاءة الأمريكية، وليكون هناك هدف دبلوماسي أمريكي واحد”، وزعمت: “لا يعتبر ذلك تغييرا بالسياسة الأمريكية تجاه مدينة القدس أو الضفة الغربية أو قطاع غزة”.

Facebook Comments