ذهبت محاولات السفاح عبد الفتاح السيسي أدراج الرياح، وفشل في إقناع المصريين بنبرته اللزجة المقززة بأنه "شريف وصادق وأمين"، وذلك دفعا لقناعة الشعب بأن الجنرال وعصابته غاصوا عميقًا في بئر الخيانة والفساد، تلك القناعة التي تتردد صداها هتافا في شوارع قرى مصر "لا إله إلا الله محمد رسول الله والسيسي عدو الله".

ورصدت الأجهزة الأمنية حالة الغضب غير المسبوق والغليان الذي اندلع مع تظاهرات 20 سبتمبر الجاري، ونقلتها إلى السفاح السيسي مع غيرها مما يتداوله الناس عن تصاعد غير مسبوق لمنحنى الفساد والفشل والقمع الذي تستنكره المنظمات الحقوقية الدولية، وهو ما تحاول الأذرع الإعلامية للانقلاب التغطية عليه باستضافة لواءات سابقين من الجيش والشرطة ليتحدثوا عن النجاحات الاقتصادية للعسكر، وحياة الرفاهية التي تنتظر الشعب المصري على أياديهم، بينما حاق الضنك بكل فئات الشعب عدا عصابة العسكر والدائرة المستفيدة منهم.

فساد للركب
وفي العام الماضي 2019 خرج الفنان والمقاول محمد علي والذي كان واحدا من الدائرة المغلقة للعسكر، وهو صاحب إحدى شركات المقاولات التي تنفذ مشاريع تابعة للجيش المصري، ليكشف عن وقائع فساد كبرى داخل القوات المسلحة، ومعلومات تنشر للمرة الأولى عن أسماء ضباط كبار متورطين في تبديد وإهدار مليارات الجنيهات، وتواطؤ البنوك في تمويل مشروعات "فاشلة" بضمان "أختام الجيش"، إلى جانب تحكم زوجة السفاح السيسي في إدارة القصور والاستراحات الرئاسية.

ونشر "علي" مقطع فيديو عبر حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، كال فيه الاتهامات إلى جنرالات السفاح السيسي، ودورهم في سرقة أموال شركات المقاولات التي تتعامل مع الجيش، وهم وزير النقل الحالي بحكومة الانقلاب اللواء كامل الوزير، الرئيس السابق للهيئة الهندسية للقوات المسلحة، واللواء عصام الخولي مدير إدارة المشروعات، واللواء محمد البحيري، والعميد ياسر حمزة، والمقدم محمد طلعت.

وقال: "هؤلاء أهل الظلم والاستعباد هؤلاء من حطموا أحلامي وجعلوني أتغرب وأترك بلدي خوفًا من بطشهم على أولادي وعليا، وتلفيق لي اتهامات باطلة، الزج بي في السجن"، متهما السيسي بإهدار المليارات في مشروعات فاشلة، والادعاء بأن مصر فقيرة أوي، مشيرا إلى أن مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، فاشل بنسبة 100 بالمائة، وأن إيرادات مشروع حفر تفريعة قناة السيسي لم تغط حتى تكاليف حفل افتتاحها".

وأكد أن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة تقوم بإنشاء مشاريع بدون دراسات جدوي، وتقرر إسناد تنفيذها إلى شركات بالأمر المباشر، وتجبر البنوك على تمويل هذه المشروعات، ثم تجبر المقاول على البدء بتنفيذ هذه المشاريع دون إعطائه أي مستحقات أو دفعات مالية بزعم أنها خدمة لمصر ويجب أن يقف بجانب بلده، وهو ما تردد كثيرا في وسائل الإعلام خارج البلاد، لكنه يأتي هذه المرة من داخل شركاء منظومة الفساد العسكرية نفسها، التي تنفذ طلبات انتصار زوجة السيسي، التي أمرت ببناء استراحة رئاسية جديدة بلغت تكلفة إنشائها فقط 250 مليون جنيه، غير ثمن الأرض وتكلفة التأسيس والديكورات، ثم طلبت تعديلات بلغت تكلفتها 60 مليون جنيه".

مليارات عسكر
ويحمل ما يثار من معلومات أذاعتها في وقت سابق فضائية "مكملين" حول وضع قائد الجيش الثالث المصري السابق، الفريق أسامة عسكر، تحت الإقامة الجبرية؛ بتهمة الاستيلاء على 500 مليون جنيه من المال العام المخصص لتنمية سيناء؛ عدة دلالات حسب محللين.

وعزز الجيش المصري هيمنته على الاقتصاد المصري في أعقاب ثورة 25 يناير 2011، وتوسعت إمبراطوريته الاقتصادية لتشمل معظم قطاعات الإنتاج، فضلا عن خضوع أراضي الدولة غير الزراعية لسيطرته المباشرة.
وكشف تقرير لصحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، في مارس 2014، أن الجيش يسيطر على 60 في المائة من اقتصاد البلاد، و90 في المائة من أراضي مصر.

وقالت قناة مكملين الفضائية، نقلا عن ثلاثة مصادر عسكرية إن الفريق أسامة عسكر، رهن الاعتقال على خلفية اتهامات مالية باختلاس أو إهدار نحو 500 مليون جنيه من مشروع تنمية سيناء.
وتحدث محللون عن دلالات هامة لواقعة الفريق عسكر، هي كالتالي: أولا: تكشف الواقعة عما يجري من وقائع فساد غير معلومة داخل إمبراطورية الجيش الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، أكد تقرير لمنظمة الشفافية الدولية في 30 أكتوبر 2015، وضع مصر ضمن تصنيف "حرج"، وهو التصنيف الأسوأ في مؤشر مكافحة الفساد بقطاع الدفاع بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

إمبراطورية الفساد
وقال أستاذ الدراسات الأمنية بجامعة إكستر البريطانية، عمر عاشور: "إن الهم الأكبر لقادة الجيش أصبح تحقيق أعلى قدر من الأرباح بعيدا عن المراقبة، وهو ما يجعل من هذه الإمبراطورية الاقتصادية سببا من أهم أسباب تمسكهم بالسلطة، واحتكارهم كافة المناصب المدنية من أجل تدعيم نفوذهم".

كما تؤدي الواقعة لتشويه سمعة المؤسسة العسكرية، والتقليل من شأن الجيش المصري بمقابل جيوش المنطقة، وحذر تقرير لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني؛ من مخاطر توسع "الإمبراطورية الاقتصادية العسكرية بمصر" على مدى جاهزية الجيش لخوض الحروب، بسبب تفرغ قادته للهيمنة على كل فروع الاقتصاد والخدمات، و"تحصيل المكاسب المالية لهم ولمحاسيبهم المقربين منهم".

وتؤكد الواقعة أن النتيجة الطبيعية لتدخل الجيش بالحياة المدنية هي انهيار سمعة القادة العسكريين وتورطهم في نهب وسرقة أموال الدولة، وقال تقرير منظمة الشفافية الدولية عام 2015، إن هناك أدلة على أن العديد من ميزانيات الدفاع المتزايدة تنفق بشكل غير صحيح بسبب الفساد، والمحسوبية، وانعدام الشفافية.
وأشار التقرير إلى أن إشراك الدفاع في القطاع الخاص يشكل خطرا كبيرا للفساد بمصر، موضحا أن "أرباح قوات الدفاع أو الأفراد داخلها نادرا ما تعرف"، وأن "انعدام الشفافية يخلق مخاطر تحقيق كبار العاملين بمؤسسات الدفاع فوائد كبيرة من قطاع الأعمال الخاص".

كما تكشف الواقعة أيضا كيف يتصرف قائد الانقلاب في المال العام بطريقة فردية، وذلك بمنحه الفريق أسامة عسكر 10 مليارات جنيه لتنمية سيناء؛ لا يعلم أحد إن كانت من ميزانية الدولة أم الجيش أم مساعدات خارجية.

لا رقابة
وفي الأول من فبراير 2015، قال السفاح السيسي إنه "تم تخصيص ميزانية 10 مليارات جنيه للتنمية ومكافحة الإرهاب بسنياء"، وضعت تحت تصرف الفريق أسامة عسكر، قائد القيادة الموحدة لشرق القناة.

وانتقد الكاتب والبرلماني السابق، أمين اسكندر، واقعه تسليم السفاح السيسي للفريق عسكر؛ تلك الأموال و"كأنه يصرف من ماله الخاص"، وقال عبر "فيسبوك": "صلاحيات السيسي في الصرف من ميزانية البلد بهذه الطريقة الفردية كشفت عن سلطة غير خاضعة للرقابة، وعن دمج السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية بسلطة السيسي".

وتؤكد الواقعة عدم خضوع تلك الأموال التي ينفقها السفاح السيسي بجميع مشروعاته لإشراف ومتابعة الجهات الرقابية الرسمية، ويتمتع الجيش في مصر بامتيازات كبيرة في العطاءات والمناقصات، ولا تخضع إيراداته للضرائب مثل باقي الشركات، كما أن موارد المؤسسة العسكرية لا تمر عبر الخزينة العامة للدولة، وهي تخص الجيش وحده، حسب اللواء عادل سليمان، الخبير العسكري ورئيس منتدى الحوار الاستراتيجي.

وفي ورقة أعدها الباحث أحمد مرسي لمركز كارنيجي للشرق الأوسط، أكد أن "مصادر دخل المؤسسة العسكرية لا تمر عبر الخزينة العامة للدولة، ويوجد مكتب خاص بوزارة المالية مسؤوليته تدقيق حسابات الجيش، وهيئاته وبياناته وتقاريره لا تخضع لسيطرة أو إشراف البرلمان أو أي هيئة مدنية أخرى".
كما تُظهر الواقعة تغول السفاح السيسي على دور السلطة التنفيذية الحكومة بالصرف خارج الميزانية، وإلغاءه السلطة التشريعة البرلمان ودورها الرقابي، وتجاهله السلطة القضائية بعدم إحالة الفاسدين المقربين منه للمحاكمة.

وأشار تسريب "مكملين" إلى وجود قضية أخرى تم إغلاقها، متهم فيها اللواء مجدي أنور، "بإهدار 54 مليون جنيه، لكن لقربه من المشير حسين طنطاوي، فقد تمت تسوية القضية"، بحسب المحطة.

المنظومة الاقتصادية
وأدى تعديل المجلس العسكري، في مايو 2011، لقانون القضاء العسكري، رقم 25 لسنة 1966، لوضع منظومة الجيش الاقتصادية خارج إطار المحاسبة، حيث حصر مساءلة الضباط حال تورطهم بقضايا فساد مالي؛ أمام القضاء العسكري، دون القضاء المدني أو جهاز الكسب غير المشروع.
وتكشف الواقعة حجم الصراع بين قادة الجيش على الأموال والمشاريع والأرباح، برفض الفريق عسكر إعادة تلك الأموال وقوله "إن هذا حقي"، بحسب التسريبات.

وقالت منظمة الشفافية الدولية: "هناك أدلة تشير إلى أن ضباطا بجميع الرتب، يمتلكون مشاريعهم الخاصة ويستفيدون بشكل كبير من البنية التحتية والمرافق، بجانب شبكة المتقاعدين العسكريين التي تترأس أو تشرف على المؤسسات والمنشآت التجارية الحكومية، أو تشارك في العقود الاستشارية، وقد تمتد هذه الممارسات إلى تشكيل شركات خاصة للحصول على العقود من الباطن".

وفي إطار تقاسم الثروة على ما تسمى بالأجهزة السيادية، فالبترول تهمين عليه شركات تابعة للجيش أما الغاز فتسيطر على صفقاته شركات تابعة لجهاز المخابرات العامة، منذ أيام عمر سليمان وحسين سالم، وكشفت تحقيقات استقصائية أن الشركات المصرية التي تقف وراء صفقة الغاز مع الصهانية والتي تبلغ 15 مليار دولار على مدار 10 سنوات وأن التأكيد المتكرر للمسؤولين المصريين عن كون الاتفاق مقتصرًا على القطاع الخاص و"خارج الإطار الحكومي" لا يمثل سوى نصف الحقيقة.

وتكشف المستندات أن شركة غاز الشرق -الرابح الأكبر من استيراد غاز إسرائيل وإعادة بيعه للدولة المصرية- هي بالفعل شركة خاصة، ولكن غالبية أسهمها مملوكة لجهاز المخابرات العامة المصرية، الذي يحصل على 80% من أرباحها لحسابه، وأن الرئيس التنفيذي للشركة محمد شعيب تم تعيينه بمجلس إدارتها ممثلًا عن الجهاز، بل وأن رئيس مجلس إدارة الشركة هو في الواقع كان دائمًا وكيل أو نائب رئيس جهاز المخابرات العامة.

شركات المخابرات
كما تكشف المستندات وجود شركة أخرى دخلت فيها المخابرات العامة بقيمة النصف مع الشركة المصرية التي ستشتري الغاز الإسرائيلي؛ "دولفينوس القابضة".
ومن أجل إتمام الصفقة، مع إخفاء اللاعبين المصريين الحقيقيين والمستفيدين من أرباحها، وإعفائهم من دفع الضرائب، وحمايتهم من أية مساءلة قانونية محتملة، شهدت الأشهر الماضية نشاطًا مصريًا محمومًا لإنشاء عدد من شركات الواجهة، في شبكة تمتد بين جزر العذراء البريطانية ولوكسمبورج وسويسرا وهولندا، ولا تعبر الأراضي المصرية على الإطلاق.

خلاصة القول، أن ثروات مصر من الطاقة والمعادن إما مهدورة أو منهوبة، والكارثة تتعلق بمنظومة إدارة ثروات مصر التعدينية، من خلال غياب الوعي بكيفية استغلال موارد الوطن، في ظل عقم واضح في الفكر والإدارة، فشل في أن يضع مصر في ضوء ما تمتلكه من مقومات وثروات على خارطة الاقتصاد العالمي، في الوقت الذي تصدرت فيه دول أخرى المشهد وهي لا تملك جزءًا ضئيلًا مما تملكه مصر، وهنا لا بد من إعادة النظر في العقليات التي تدير هذه المنظومة، فليس من المعقول أن يتم استخراج الذهب الخام من مناجم الوطن ثم يتم تصديره لتنقيته إلى كندا ويتم استيراده بمبالغ طائلة تفوق ما تم استخراجه وتصديره.

وثمة محاولة متعمدة لنهب هذه الثروات سواء من قبل من لهم علاقة بالسلطة وصناع القرار أو مافيا العصابات الدولية بالتواطؤ أيضًا مع بعض العناصر الداخلية، وهو ما يعززه الغياب المتعمد للبيانات المتعلقة بهذه الثروات الضخمة، فليس من المعقول أن دولة بحجم مصر لا تمتلك قاعدة بيانات حقيقية عن المناجم ومحتواها ومعدلات إنتاجها، كما أن إسناد مهام استخراج تلك الثروات لشركات بعينها دون غيرها يضع العديد من علامات الاستفهام أيضًا.

وعلى أية حال سواء كانت الأزمة في الإدارة وفشلا في استغلال تلك الثروات سواء من حيث التنقيب أو التسويق، أو كانت نهبًا متعمدًا من قبل ذوي القوة والسلطة من هنا أو هناك، فالنتيجة واحدة، وهي أن المواطن المصري كالعادة لا يزداد إلا جوعا و فقرًا.

Facebook Comments