اللحظة الفارقة التي منح فيها مجلس الشورى الصلاحيات الأكبر كانت في فترة الرئيس الشهيد محمد مرسي، فبعد أن حلت المحكمة الدستورية مجلس الشعب في 2012، احتاجت الحكومة حينها لجهاز تشريعي لتسيير الأمور، ووقتها منحت الشورى سلطة التشريع كاملة لحين اختيار مجلس شعب جديد، إلا أنه وبعد الانقلاب والغدر بالرئيس مرسي في يوليو 2013 أوقف العمل بالدستور وعليه تم تعطيل مجلس الشورى لحين تم إلغائه في الدستور الجديد.

وينقص القزم العسكري مطبلاتية فأعاد عواجيز الولاء عبر مجلس الشيوخ، وأعلنت سلطات الانقلاب بمصر عبر الهيئة الوطنية للانتخابات، عن موعد إجراء انتخابات مجلس الشيوخ –الشورى سابقاً- المؤلف من 300 عضو، وقال رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات، لاشين إبراهيم، في مؤتمر صحفي، إن مصر ستجري انتخابات مجلس الشيوخ في 11 و12 أغسطس.

التوقيت..!
وأوضحت الهيئة أن تصويت المصريين في الخارج بانتخابات مجلس الشيوخ سيكون يومي الثامن والتاسع من أغسطس، ويتم انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ بحسب التقارير الأمنية وموافقة الأجهزة السيادية، بينما يعين السفاح عبد الفتاح السيسي بقية الأعضاء.

العديد من علامات الاستفهام تطل برأسها باحثة عن إجابة بشأن دوافع عودة هذه الغرفة في هذا التوقيت، وما الذي تغير من أسباب إلغائها في 2014 حتى تعود مرة أخرى، وما القيمة المضافة التي ستضيفها للعمل البرلماني الذي تمت عسكرته.

في وقت تعاني فيه مصر من أزمات اقتصادية لا تتحمل معها مزيدًا من الإنفاق في مسائل غير ضرورية بالمرة، ويثير مجلس الشيوخ الجديد تساؤلات بخصوص جدواه وإرهاقه لجيوب المصريين، فضلاً عن استغلاله في الترضيات السياسية، يقول الكاتب والصحفي طه خليفة: "ولا معنى، أو فائدة، أو قيمة، من مجلس الشيوخ المستجد، سوى إنفاق مزيد من المال العام دون عائد ملموس على المواطن، أو مشروع التنمية، ومجاملة 300 شخص، من المرضي عنهم، بمنحهم حصانة، وامتيازات، ووجاهة اجتماعية".
مضيفاً: "من أفضل خطوات ما بعد يناير، إلغاء مجلس الشورى، لكن يتم إعادته باسم الشيوخ، وكأن الهدف استعادة القديم كله، بجميع أشكاله، وحالاته، وأحواله، وصوره، ومظاهره.كما لو كنا نتعمد إيذاء أنفسنا بأنفسنا. أو كما لو كنا نتعمد معاندة أنفسنا، أو شيئ ما مجهول لنا، معلوم لـ (صاحب الفضل). لفّ وارجع تاني".

ويقول الإعلامي طارق أبو شريفة: "الهيئة الوطنية للانتخابات تعلن أن انتخابات مجلس الشيوخ ستكون يومي 9 و10 أغسطس بالخارج و11 و12 في الداخل! دا على أساس إن مجلس الشعب بيؤدي دوره، فراح #السيسى افتكس حاجة جديدة اسمها "مجلس الشيوخ" بصراحة منتهى الإبداع والتفاني والابتكار في الحلول وصرف الأموال!".

عودة المجلس الجديد في هذا الوقت الذي تواجه فيه البلاد أزمة اقتصادية خانقة، تعززت بصورة أعمق مع تداعيات جائحة كورونا المستجد، التي أصابت الاقتصاد العالمي بحالة من الشلل، كانت مثار تساؤل لدى قطاع كبير عبر عن تخوفاته بشأن الآثار الاقتصادية لهذا الإنفاق المتزايد، في وقت قفزت فيه ديون الدولة الداخلية والخارجية قفزات مجنونة لم تشهدها منذ نشأتها.
إذ تنصّ المادة 36، على أنه يتقاضى عضو مجلس الشيوخ – 300 عضو- مكافأة شهرية مقدارها خمسة آلاف جنيه، تُستحق من تاريخ أدائه اليمين، ولا يجوز أن يزيد مجموع ما يتقاضاه العضو من موازنة المجلس تحت أي مسمى على أربعة أمثال المبلغ المذكور.
أما فيما يتعلق بمكافأة الرئيس والوكيلين، فتنصّ المادة 37 على أنه يتقاضى رئيس مجلس الشيوخ مكافأة مساوية لمجموع ما يتقاضاه رئيس مجلس الوزراء، ويتقاضى كل من وكيلي المجلس مكافأة مساوية لمجموع ما يتقاضاه الوزير.

شاهد من أهلها..!
بالعودة إلى 2014 أي بعد الانقلاب العسكري بعام واحد، حين ناقشت لجنة الخمسين المخابراتية المُشكلة لصياغة دستور العسكر الجديد مسألة إلغاء مجلس الشورى والاكتفاء بغرفة برلمانية واحدة، ورغم الخلاف بينهما بشأن فكرة الإلغاء من عدمه، فإن الجميع اتفق حينها على أن هذا المجلس كان غرفة خلفية للفساد السياسي في أبهى صوره.
نقيب المحامين السابق سامح عاشور، الذي كان ضمن اللجنة لفت إلى أن الصورة الذهنية الراسخة لدى المواطن المصري أن هذا المجلس جاء "كتطييب خواطر وتوزيع مواقع على قوى انتخابية لم يكن الحزب الوطني يستطيع أن يغطيها من خلال البرلمان في مجلس الشعب"، مستشهدًا بحجم الإقبال التصويتي على انتخابات الشورى التي لم تتجاوز حاجز الـ6% من مجموع الناخبين.
أما رئيس جامعة القاهرة السابق جابر نصار، أستاذ القانون الدستوري، فكشف أن الهدف الرئيسي لإنشاء الشورى إبان فترة مبارك كان تحقيق أمرين لا ثالث لهما، أولها: تسميم التجربة الحزبية وغلق الباب أمام إنشاء أي حزب إلا بموافقة المجلس لمن يشاء، ثانيها: سيطرة الحزب الحاكم الوطني المنحل ومعه الحكومة، على الصحف وتكريس تبعيتها لهما.

العديد من أعضاء اللجنة من السياسيين والإعلاميين اتفقوا على أن مجلس الشورى "سيظل بنفس سوء السمعة خصوصًا أنه سيرتبط بتعيين الناس وسيكون دائمًا بابًا خلفيًا للفساد"، حتى المؤيدين للإبقاء عليه وصفوه في كثير من نقاشاتهم بأنه كان "مجلس ترضية ومجلسًا فاسدًا".

Facebook Comments