محمد مصباح
خلال الأيام الأخيرة، أطلقت سلطات الانقلاب العسكري حملةً موسعةً تستهدف الأحزاب ذات التوجه الإسلامي خلال الفترة الأخيرة، عبر لجنة شئون الأحزاب، ضمن محاولات لحلها.

وتحركت اللجنة، خلال الأسبوعين الماضيين، ضد الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وأغلبها معارض للنظام الحالي ومؤيد للرئيس محمد مرسي، بإحالة ملفات ستة تنظيمات إلى النائب العام للتحقيق في مدى الالتزام بقانون الأحزاب والمعايير التي تأسست عليها. وأي قرار محتمل يتخذه النظام لحل بعض الأحزاب، هو قرار يندرج في خانة القضاء على منجزات "ثورة يناير" بتكريس الحرية والديمقراطية في مصر.

وكان أول التحركات الجدية تجاه هذه الأحزاب والسعي لحلها، إحالة طلب حل حزب "البناء والتنمية"، المنبثق عن "الجماعة الإسلامية"، إلى الدائرة الأولى بالمحكمة الإدارية العليا، بدعوى مخالفة الحزب للمادة الرابعة من قواعد تأسيس الأحزاب. وضمت قائمة الأحزاب "البناء والتنمية، والوطن، والوسط، والاستقلال، وغد الثورة"، والأخير ليس حزبا إسلاميا، لكن أسسه المرشح الرئاسي سابقا، أيمن نور، فضلا عن حزب "النور" الذي أيّد الانقلاب.

وبحسب خبراء، جاءت تحركات لجنة شئون الأحزاب عقب مشاركة مصر مع دول السعودية والإمارات والبحرين في محاصرة دولة قطر، بدعوى استضافة شخصيات مدرجة على قائمة الإرهاب الصادرة عن الدول الأربع، والتي لم يعترف بها دوليا. ولم تُدْرج قيادات الأحزاب الستة على قوائم الإرهاب باستثناء اثنين، هما رئيس حزب "البناء والتنمية"، طارق الزمر، علما أنه لم تصدر بحقه أية أحكام قضائية، وعضو الهيئة العليا للحزب، محمد شوقي الإسلامبولي.

وتعليقا على ذلك، قال عضو الهيئة العليا لحزب "البناء والتنمية" عبود الزمر: إن الحزب، الذي تأسس عقب "ثورة يناير"، ملتزم بالدستور والقانون ولم يخالف القواعد العامة في العمل السياسي، ولكن يبدو أن هناك اتجاها لمحاصرة وحل الأحزاب الإسلامية. وأضاف أن طارق الزمر استقال من رئاسة الحزب لرفع الحرج عنه وتجنيبه أية مخاطر محتملة، وبالتالي لا يوجد مبرر لطلب لجنة شئون الأحزاب حل الحزب، خاصةً أنه تم إخطار اللجنة بتقدم رئيس الحزب بالاستقالة.

وتابع- في تصريحات صحفية- أن هناك تبعات خطيرة على الشباب إذا ما أقدم النظام الحالي على حل الأحزاب الإسلامية التي تقوم بمهمة السيطرة على شبابها منذ الانقلاب، مشددا على أن الحزب و"الجماعة الإسلامية" اتخذا المسلك السلمي سبيلا في العمل السياسي والبقاء في صفوف المعارضة.

واستبقت لجنة شئون الأحزاب التحقيقات، وأرسلت ملف حل الحزب إلى المحكمة الإدارية العليا. هذا التحرك المفاجئ للجنة شئون الأحزاب لا يمكن تفسيره إلا في إطار رغبة النظام الحالي بالضغط على هذه الأحزاب وربما حل بعضها، وهو القرار الذي تأخر منذ 3 يوليو 2013، بينما مثل قرار محاصرة قطر وإصدار قائمة للإرهاب فرصة مثالية للتغطية على محاولات حل هذه الأحزاب.

وكان من اللافت للنظر أنه من ضمن الأحزاب التي أحالت لجنة شئون الأحزاب ملفاتها إلى النائب العام، حزب "النور"، الحزب الإسلامي الوحيد الذي أيد الانقلاب على مرسي، وجمعت علاقة قوية بين الحزب ومن خلفه "الدعوة السلفية" من ناحية، والسيسي من ناحية أخرى.

ولكن لم تستمر العلاقة بالقوة نفسها، خاصةً مع التضييق على الحزب بشكل كبير في انتخابات مجلس النواب الأخيرة، فضلا عن شن حملات اعتقالات خلال الأشهر القليلة الماضية ضد شباب الحزب و"الدعوة".

"تيران وصنافير" تثير غضب السيسي على الأحزاب

بينما يرى خبراء أن البداية بالأحزاب الإسلامية، كمقدمة للنيل من كل الأحزاب؛ إذ أن السيسي لا يعير أي اهتمام للأحزاب السياسية، فهو آتٍ من خلفية عسكرية، غالبا ما تترجم في التجارب العربية كرها للأحزاب، أو سعيا لاستمالتها وتحويلها إلى أداة بيد السلطة. ولم يجتمع السيسي برؤساء الأحزاب إلا مرة واحدة طيلة ثلاث سنوات، في مايو 2015، أثناء إشراف دائرته الاستخباراتية على اختيار القوائم الانتخابية، التي أخرجت مجلس النواب في شكله الحالي، كبرلمان موالٍ، مرر كل تشريعات وقرارات النظام على مدار عام ونصف العام، وآخرها اتفاقية تيران وصنافير.

الأحزاب التي التفت حول السيسي، في بيان انقلاب الثالث من يوليو 2013، انقسمت في ما بينها لاحقا، ما بين مؤيدة ومعارضة للنظام، بعدما سهل الأخير دخول أحزاب، دون غيرها، إلى البرلمان، وفي مقدمتها المصريين الأحرار، ومستقبل وطن، وحماة الوطن، والشعب الجمهوري، والمؤتمر، والنور السلفي. وحالت أجهزة السلطة دون دخول أحزاب، مثل مصر القوية، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والكرامة، والتيار الشعبي، والدستور، إلى مجلس النواب، لتأخذ موقفا معارضا لنظامه، بينما ظلت الأحزاب الأقدم تاريخيا، مثل الوفد والتجمع، تؤدي دورها المعتاد في محاباة السلطة.

وجاءت حملة الاعتقالات الأخيرة بحق العشرات من قيادات وشباب الأحزاب، لتظهر حرص النظام على رفض أي معارضة، ولو ناعمة، كونه يعتقد بضرورة إبقاء الأحزاب ككيانات معزولة عن الجماهير، حتى لا تكسب شعبية على الأرض، وتظل مجرد ديكور سياسي، غير مسموح لها بتداول السلطة.

وقالت "المفوضية المصرية للحقوق والحريات"، في تقرير لها، إن "السلطات الأمنية شنت موجتين واسعتين من عمليات إلقاء القبض على النشطاء السياسيين، وأعضاء الأحزاب، والحركات السياسية، أولها في إبريل الماضي، وحصدت 39 سياسيا معارضا، والثانية في يونيو الحالي، وبلغت حصيلتها نحو 190 ناشطا".

مصدر قيادي في حزب "مصر القوية" قال، في تصريحات صحفية: إن "الأحزاب المعارضة للنظام الحالي استغلت الزخم الشعبي حول قضية الجزيرتين، والتفت حولها، للعودة مجدداً للمشهد، بعدما عولت على أحكام القضاء ببطلان الاتفاقية، وهو ما أثار ذعر رجال النظام، في ظل اتهامات التخوين والعمالة التي تلاحق السيسي، وكل من عاونه بالتفريط في الأرض المصرية".

كما لم تسلم أحزاب الموالاة من قبضة السيسي. فبعد عام من فوزه بمقاعد حزب الأكثرية النيابية، فخخت أجهزة الأخير حزب "المصريين الأحرار" من الداخل، بعدما استمالت جبهة رئيسه الحالي، عصام خليل، للإطاحة بمؤسسه الملياردير، نجيب ساويرس، من موقعه كرئيس لمجلس أمناء الحزب، بل واتهامه بالتجسس لصالح إسرائيل، عقابا على انتقاده لبعض إجراءات النظام. وفصلت الهيئة البرلمانية للحزب، التي يقودها ضابط الشرطة السابق، علاء عابد (متهم سابق في قضايا تعذيب واتجار بالآثار)، 5 من النواب الموالين لساويرس، ما يُنذر بالتصويت على إسقاط عضويتهم، لتغير صفتهم الحزبية، وفق الدستور، وهم نادية هنري، وإبراهيم عبد الوهاب، وعماد جاد، وهاني نجيب، ومنى جاب الله. كما أطاح النظام بالمرشح الرئاسي السابق، عمرو موسى، من قيادة حزب "المؤتمر"، أواخر العام 2013، لقطع الطريق أمام ترشحه في مواجهة السيسي، وهو الحزب الذي أسسه مع دبلوماسيين وعسكريين قدامى، بدعوى مواجهة تيار الإسلام السياسي، ممثلا بجماعة الإخوان المسلمين، وحزبها الحرية والعدالة.

جزاء سنمار

فيما يرى محللون أن الأحزاب الحالية باتت بلا قيمة، بعدما تحول أغلبها إلى أبواق للنظام، تكتفي بإصدار البيانات المؤيدة لقرارات السيسي وإقرار التشريعات المقدمة من حكومته، من دون رؤية سياسية أو تصور حقيقي لأي من القضايا التي تهم المواطنين".

Facebook Comments