قالت دراسة نشرها “المركز العربي واشنطن دي سي”، إن أحد العوامل المهمة التي تسهم في فراغ القيادة القادرة على التعبئة لثورة في مصر، على الأقل من المنظور التنظيمي، هو غياب جماعة “الإخوان المسلمين” اجتماعيًّا وسياسيًّا.

وأشارت إلى أنه يعترف بذلك المؤيدون والمعارضون على حد سواء، بأنَّ المجموعة الوحيدة التي لها جمهور كبير ولديها القدرة على حشد أكثر من مليون شخص وإخراجهم إلى الشارع كانت جماعة الإخوان المسلمين.

وأضافت أنه مع مقتل العديد من أعضائها أو اعتقالهم أو نفيهم، ومع الحملات الإعلامية التي نظمتها الدولة، يتم تشويه صورة الإخوان المسلمين من خلال وصفها بأنها منظمة إرهابية محظورة، ووصم أعضائها بأنهم إرهابيون أو خونة.

واعتبرت الدراسة، التي جاءت بعنوان “مأزق مصر المحيّر.. تحديات متصاعدة وحراك يصعب تفعيله”، ترجمها موقع خليجي، أنه لا يمكن ملء الفراغ الحالي في التعبئة العامة من قبل الناشطين في المنفى الذين ليس لهم قدرة على إحداث تأثير على شرائح المجتمع الأوسع في مصر، لا يزال العديد من المصريين يعانون من الأمية الأبجدية ناهيك عن الرقمية، ويتساءل البعض عن مدى جدية وصدق الدعوات للاحتجاج عندما تأتي من الخارج ويكون مطلقوها في مأمن من مواجهة العواقب الوخيمة لبلد ذي قبضة أمنية قوية.

غياب الفاعلين

وتحت عنوان ثانوي “من الذي سيقوم الآن بتعبئة الشارع؟”، أشارت إلى أن إحدى العواقب الوخيمة لهذه الساحة السياسية الخانقة، غياب قادة وناشطي الرأي العام الذين يمكنهم تعبئة الشارع المصري بفعالية من خلال الاحتجاجات والنشاط على الإنترنت والشبكات الرقمية، كما شهدنا سابقًا في الثورة المصرية عام 2011.

وعن ثورة 2011، استعانت بنفس المصطلح ولكنها أوضحت خطأه، فقالت إن “بعض الأوصاف الشائعة لثورة 2011 تعتبرها “ثورة بلا قيادة”، وهو مصطلح يقزّم نشاط وبطولة وشجاعة الشباب الذين كانوا وراء نجاحها، في حين أن العديد منهم يفتقرون إلى الرؤية الاستراتيجية والخبرة السياسية لقيادة “مصر ما بعد مبارك” في اتجاه آمن، بعيدًا عن الطموحات السياسية لكل من “الإخوان المسلمين” والجيش، لكن الكثير منهم تصرفوا كمهندسين وراء الكواليس لهذه الثورة، سواء على الإنترنت أو في الشارع.

وأوضحت أنه يتم قتل العديد من هؤلاء الناشطين الشباب، أو سجنهم، أو نفيهم، أو إيصالهم لحالة من اليأس. مضيفة أن الحملة الأمنية طالت بعض الناشطين الشباب بالاعتقال، ومنهم قادة المعارضة البارزين مثل الناشط والمدون “علاء عبد الفتاح”، والمحامية والناشطة في مجال حقوق الإنسان “ماهينور المصري”، والناشطة البارزة في مجال الديمقراطية وحقوق الإنسان للمدونة “إسراء عبدالفتاح”.

وذكرت أسماء أخرى من الشخصيات العامة رفيعة المستوى من بين الأوساط العسكرية والدبلوماسية والسياسية، مشيرة إلى أن الأمثلة على ذلك هي على سبيل المثال لا الحصر، وتترك مثل هذه الإجراءات فراغًا كبيرًا عندما يتعلق الأمر بتنظيم احتجاجات شعبية جديدة.

حركة المعارضة 

وقالت الدراسة، إن الطريقة الوحيدة لملء الفراغ الحالي هي خلق حركة معارضة فعالة ومنظمة تدار بشكل جيد، في الداخل والخارج، وتكون عابرة للخلافات الأيديولوجية والانقسامات السياسية.

وأضافت أن غياب أصغر هامش من التسامح مع المعارضة ومشاركتها العامة في الحياة السياسية يعيق جهود إنشاء مثل هذه الحركات، ما يؤدي إلى غياب المتطلبات الأساسية للديمقراطية والمشاركة المدنية.

ورأت أن الاستقطاب والتفتت السياسي الحالي، والذي تغذيه وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، هو في حد ذاته سبب ونتيجة لغياب المقاومة النشطة والتعبئة الفعالة على أرض الواقع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي.

حرية التنفيس

لكن الدراسة استدركت ذلك بإلقاء اللوم في النهاية على أن الموجود من سقف أو هامش لا يسمح بحرية التنفيس وتضاؤل الهامش الذي كان متاحا، فقالت: “النتيجة النهائية هي وجود بيئة سياسية وإعلامية خانقة تمامًا لا تسمح حتى بأصغر هامش حرية للتنفيس عن غضب المصريين وتظلماتهم بدلاً من اللجوء إلى التمرد، وهذه هي الاستراتيجية التي استخدمها بشكل فعال القادة السابقون، مثل الرئيسين السابقين “أنور السادات” و”حسني مبارك”، لإطالة أمد حكمهما الاستبدادي.

ولكنها قالت إن الاستراتيجية الحالية للنظام قد تؤدي في النهاية إلى اندلاع موجة جديدة من الغضب العام على المدى الطويل، والتي لا يزال شكلها وشدتها وتوقيتها غير مؤكد، لكن هذا الوضع يقمع بشكل فعال أي إمكانية للاحتجاج والتعبئة العامة في المدى القصير.

وطرحت في ختام قراءتها للواقع المصري أسئلة منها: هل يؤدي شد الحبل بين النظام المصري الحالي وخصومه إلى تبني النظام تدابير أشد قمعًا لمواصلة قمع المعارضة، على الأقل في الوقت الحالي؟, وهل سيجد المصريون طرقًا أخرى للتنظيم والتعبئة بخلاف خيار الاحتجاج في الشوارع، مثل العصيان المدني أو مقاطعة السلع والخدمات الأساسية؟.

Facebook Comments