مثلت المظاهرات التي انطلقت يومي الأحد والإثنين مفاجأة لأركان نظام انقلاب 3 يوليو 2013؛ فالهدوء الذي ساد نهار ذلك اليوم خدع الكثيرين، وظنت دوائر أمنية وحكومية أن الدعوة لتظاهرات 20 سبتمبر قد فشلت، لكن الذي جرى أدهش الجميع إلى أن انطلقت مساء الأحد ثم مساء الإثنين مظاهرات بدأت في الاتساع وتركزت في القرى، وردد المتظاهرون هتافات تطالب بإسقاط الطاغية عبدالفتاح السيسي، منها: "قول ماتخافش… السيسي لازم يمشي"، و"ارحل يا بلحة"، و"ارحل يا سيسي… أنت مش رئيسي"، و"لا إله إلا الله… السيسي عدو الله"، و"يسقط يسقط حكم العسكر"، و"يا أهالينا انضموا لينا"، و"واحد اثنين الشعب المصري فين"، و"يالي ساكت ساكت ليه… بكرة يهدوا البيت عليه"، و"بالطول بالعرض إحنا أصحاب الأرض".

وثمة عدة ملاحظات مهمة في مشهد تلك المظاهرات: 

أولا  تعلم المتظاهرون الدرس من تجربة مظاهرات 20 سبتمبر 2019م، ولم يحاولوا التظاهر في التحرير باعتباره فخا أعدته الأجهزة الأمنية لاصطياد النشطاء؛ فقد جرى اعتقال نحو 4 آلاف شاب ومواطن العام الماضي ولا يزال المئات منهم رهن الاعتقال حتى اليوم. لا يعني ذلك استبعاد ميدان التحرير من الموجة الثورية الحالية إذا تواصلت خلال الشهور المقبلة ولكن ليس من الحكمة في شيء أن نصر على التظاهر فيه ولا يزال محتلا من عصابات النظام وعناصره الأمنية؛ فالتحرير سيكون في مرحلة لاحقة وسيعود من جديد رمزا للثورة بعد تحريره.

بالطبع يعتبر التظاهر في التحرير مغريا ويمثل في حد ذاته إعلانا عن نفسه لتركيز وسائل الإعلام على الميدان الذي يمثل رمزا لثورة 25 يناير بخلاف أنه يقع في وسط البلد حيث مقرات السفارات الأجنبية وكبرى الفنادق ومقرات الصحف الأجنبية ومراسليها الذين يتواجدون باستمرار في منطقة وسط البلد. لكن  حماية النشطاء من الاعتقال ضرورة أهم حاليا لأن المشهد ربما يتطور خلال الشهور المقبلة والثورة تحتاج إلى كل مؤمن بها ليقودوا الميادين من جديد لتحرير مصر من حكم المافيا وتحرير القرار الوطني ورد الاحترام والتوقير للإرادة الشعبية التي جرى دهسها بانقلاب 3 يوليو ليصبح الشعب هو صانع القرار الحقيقي وصاحب السلطة الفعلية بعد كسر قيود الوصاية العسكرية المفروضة  على مصر كلها.

ثانيا مثلت المظاهرات التي خرجت خلال اليومين الماضيين مفاجأة مدوية لأنها امتدت في عدد من المحافظات، بدءا من أسوان والمنيا وأسيوط وقنا وسوهاج وصولا إلى الإسكندرية والبحيرة، مرورا بالقاهرة والجيزة والقليوبية والدقهلية والفيوم، وتصدرت المناطق الريفية المشهد الثوري وقامت بدور البطولة لاعتبارات تتعلق بالأضرار التي تواجه هؤلاء من خلال قانون  هدم المنازل الذي سنه الديكتاتور عبدالفتاح السيسي ونظامه تحت لافتة التصالح، والذي يهدد عشرات الملايين من المواطنين وفق معادلة (الدفع أو الهدم) وهي إتاوات باهظة للغاية وكأن السيسي يفرض نفسه وريثا للمصريين في بيوتهم ويريد حقه  "ناشف أو كاش".

ثالثا شهدت بعض المناطق اعتداءات من جانب أجهزة السيسي الأمنية كما جرى في قرية الكداية بالجيزة حيث اقتحمت قوات الأمن القرية مساء الأحد، محاولة فض تجمعات الأهالي بمنطقة سوق القرية، وألقت بعدد كبير من القنابل المسيلة للدموع وأطلقت الرصاص المطاطي. وشهدت شوارع القرية حالة من الكر والفر بين الأهالي والشرطة، حتى تمكن الأهالي المتضررون من قانون هدم المنازل من تدمير سيارتي شرطة. وفي البساتين حيث فرت مدرعة شرطة أمام المتظاهرين. وغيرها يوم الأحد، ثم حرق المتظاهرون سيارة شرطة في البدرشين بالجيزة وسقطت أخرى في المنيا، كما تم استخدام قنابل الغاز والخرطوش لتفريق متظاهري الصف بالجيزة، ولكن حجم الاعتقالات كان قليلا لأن المظاهرات خرجت في مناطق لم تتوقعها أجهزة السيسي الأمنية.

رابعا اللافت في هذه المظاهرات أن المشاركين فيها معظمهم من حزب الكنبة الذي لم يشارك من قبل في مظاهرت سياسية ضد النظام لكنهم اكتووا بنيران النظام وقراراته التي حولت عشرات الملايين منهم إلى فقراء بعد فرض ما يسمى ببرنامج الإصلاح الاقتصادي على الشعب منذ نوفمبر 2016م، حيث ارتفع تآكلت قيمة الجنيه من 8 جنيهات للدولار الواحد إلى 16 جنيها في الوقت الحالي وكان قد وصل إلى 20 جنيها خلال سنة 2017م، وهو ما ترتب عليه موجات من الغلاء الفاحش التي طالت  كل شيء من السلع الغذائية وصولا إلى الخدمات مثل المياه والكهرباء وتذاكر المترو وغيرها.

خامساالأهم في مظاهرات 20 سبتمبر 2020م، أنها تمثل محطة من محطات إسقاط جدار الخوف والإرهاب الذي فرضه نظام الانقلاب العسكري على جموع الشعب، فنظام العسكر يحكم بالحديد والنار وارتكب  عشرات المذابح من أجل بث الرعب والخوف في نفوس الشعب الذي كان قد تحرر منه بثورة 25 يناير ، لكن الانقلاب أراد بمذابحه وجرائمه وبطشه البالغ أن يعيد الشعب إلى سجن الخوف من جديد حتى يبقى راضخا وخانعا للظلم والطغيان. لكن يبدو أن حجم الألم الناتج عن الجوع والفقر بلغ مستويات كبيرة تعادل الخوف الناتج عن القهر والظلم وبالتالي بات المواطنون متألمين في كل الأحوال ومع تساوي الكفتين تبدو النتائج واحدة والمآلات متقاربة ما يدفع الملايين نحو الانفجار دون  خوف من العواقب.

المهم الآن هو ماذا بعد مظاهرات 20 سبتمبر وما ملامح المشهد خلال المرحلة المقبلة؟

Facebook Comments