يوسف المصري

يبدو أن قضاء الانقلاب العسكري أخذ أوامره العليا بسرعة إدانة الرئيس محمد مرسي، وإصدار حكم نهائي ضده في إحدى القضايا الهزلية التي يحاكم فيها، منذ الانقلاب عليه في الثالث من يوليو 2013.

ولأن قضاء العسكر لا يكذب خبرا، ولا يتأخر في تنفيذ الأوامر العسكرية، سارع اليوم إلى إصدار حكم نهائي بحق الرئيس محمد مرسي وعدد من قيادات جماعة الإخوان في قضية أحداث الاتحادية، يقضي بسجنه عشرين عاما.

وبعيدا عن أن كل القضايا التي يحاكم فيها الرئيس مرسي هي قضايا مسيسة، وتم طبخها في جهات سيادية، فإن ثمة تناقضات ومفارقات أخرى تبطل قضية "الاتحادية" شكلا وموضوعا، نبرزها كالتالي:

البراءة من "القتل" فأين الجاني؟

المفارقة الأبرز في حكم، اليوم، أن المحكمة الهزلية برأت جميع من وردت أسماؤهم في تلك القضية، مما نسب إليهم من تهم القتل العمد وإحراز السلاح بدون ترخيص والضرب العمد،‎ وإحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المختصة‎.

وفي المقابل، عاقبتهم المحكمة بأحكام سجن مختلفة تراوحت بين السجن 10 أعوام و20 عاما، بتهم استعراض القوة والعنف، والاحتجاز المقترن بالتعذيب البدني, بحسب زعمها، ما يعني أن المحكمة لم تقتنع بضلوع الرئيس مرسي ورفاقه في تلك الجريمة، لكنها احتالت على القانون بشكل خبيث لتصدر حكمها النهائي بحق الرئيس.

براءة الرئيس مرسي من تهمة القتل، ومعاقبته بتهمة استعراض القوة يؤكد أن القضية مسيسة بامتياز، كما يطرح تساؤلا هاما في تلك القضية: أين الجاني إذا؟ أين القاتل؟ أين قيادات الداخلية؟ ولماذا لم تحاكم مع الرئيس في تلك القضية؟.

الانتقائية الشديدة في القضية

المفارقة الثانية والأغرب في تلك القضية هي "الانتقائية الشديدة" في المحاكمة، حيث إن الرئيس المنتخب يحاكم على قتل المتظاهرين الذين ينتمون إلى حزبه، في الوقت الذي لم يستطع فيه أهالي الضحايا أنفسهم مقاضاة مَنْ قتل أبناءهم، الذين رُفعت أسماؤهم من المحاضر.

وقتل في أحداث الاتحادية ثلاثة من معارضي الرئيس، وثمانية من مؤيديه، فضلا عن مئات المصابين، بعد الضجة التي أحدثها الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس يوم 22 نوفمبر 2012.

ولأن قضاء الانقلاب مسيس بامتياز، استجاب قضاء الانقلاب لبلاغات تقدم بها معارضو الرئيس، في حين أنه رفع أسماء باقي الضحايا، ورفض عمل محاضر خاصة لهم؛ لأنهم قاموا باتهام الجهات الأمنية بقتل أبنائهم.

وبحسب تصريحات سابقة لمروة زكريا، زوجة الشهيد ياسر محمد إبراهيم، أحد ضحايا أحداث الاتحادية، فإن الحكم على الرئيس في تلك القضية باطل تأسس على باطل، مؤكدة أنها تقدمت بطلبات لإدراج ذوي الشهداء في أحداث الاتحادية، ولكنهم رفضوا ضمهم.

مروة أضافت أنه "كان أبسط حق لنا أن يضم أسماء هؤلاء الشهداء وتستمع النيابة والمحكمة لطلباتهم، لكن للأسف لا قضاء بمصر، ولذا لجأنا لتقديم شكوى للاتحاد الإفريقي ضد الحكم منذ فترة، وما زالنا نتابعها ونتابع تطورات القضية بمصر".

فاتن شعير، والدة محمد ممدوح الحسيني، أحد شهداء أحداث الاتحادية المستبعدين من القضية، وصفت أيضا القضاء بالمسيس، مضيفة "هذه الأحكام باطلة، وأقول للقضاء والمحكمة: ويل لقضاء الأرض من قضاء السماء.. استبعدوا أولادنا واليوم يحكمون بالباطل".

وحول وجود إجراءات قضائية للدفاع عن ذويهم الضحايا المستبعدين من القضية، أضافت "نحن قدمنا بلاغات ولكن نفتقد العدالة".

تسريب مكملين يبطل القضية

وكانت قناة "مكملين" الفضائية قد بثت، عام 2014، تسريبا صوتيا منسوبا لقيادات انقلابية في مصر، يتفقون فيه على تزوير مكان وتاريخ احتجاز الرئيس محمد مرسي خلال فترة اختفائه الأولى.

ويظهر التسجيل تعاون القادة العسكريين لإيجاد مخرج قانوني حول مكان احتجاز مرسي، خوفا من طعن محاميه على عدم قانونية احتجازه في الفترة التي سبقت إيداعه في سجن طره.

وخلال التسريب، حذر اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع للشئون الدستورية والقانونية، من أنه في حال عدم القيام بهذه الإجراءات، فإن قضية التخابر وقضية الاتحادية ستفشل (حتبوظ)، مُقرا بأن حبس مرسي من يوم 3 يوليو 2013 إلى أن تم نقله إلى سجن طره "غير قانوني".

وبحسب المتحاورين في التسجيل، فإن الموقف القانوني لقضية التخابر المتهم فيها مرسي كان مهددا بالبطلان ما لم يتم إيهام النيابة بأن مكان احتجاز مرسي تابع لوزارة الداخلية وليس ضمن قاعدة عسكرية.

وفي التسريب يطلب شاهين من قائد القوات البحرية الفريق أسامة الجندي تخصيص مبنى داخل إحدى الوحدات البحرية، على أن يتم توصيف هذا الموقع بأنه تابع لوزارة الداخلية.

ووفق التسجيل، يقول أحد القياديين: "أنا ممكن أقوم بحاجة كده يعملها عساكر الأمن المركزي على باب الوحدة خاصة بالداخلية، تحوطا لحدوث معاينة أو أسوأ احتمالات في القضية".

وخلال التسريب قال شاهين مقولته الشهيرة: "إحنا في التزوير ما تقلقش، وإحنا شغالين على ميه بيضا"، ما يعني أن القضية من أولها لآخرها محض افتراء وتزوير من قيادات الانقلاب العسكري، للانتقام من الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب في مصر.

Facebook Comments