ما إن بدأ المقاول (محمد على) فى بث (فيديوهاته) حتى صار حديث الناس، وتابعه مئات الألوف، وغدا نجمًا ينتظر المصريون –وغير المصريين- أحاديثه اليومية، وقد حظى بشهرة واسعة فشلت ملايينه وعمله بالفن فى صنعها، وحظى أيضًا بتعاطف كبير بدا فى تعليقات القراء على صفحته التى ملأتها دعواتهم له بالحفظ والنجاة و(النصر على الأعداء).

وهذا التعاطف مع (على) ليس لموهبة خاصة أو لأنه ذو مظلمة تستحق الإشفاق؛ بل لأنه الفتى الجرىء –فى نظرهم- الذى خرج من تحت طوع العصابة ففشا سرها، وأهان زعيمها. وقد كانوا فى انتظار هذه اللحظة ليكثر سوادهم، وليتشجع الخائرون منهم فيندفعوا جميعًا للقضاء على المجرمين؛ فاستطاع هذا الفتى كسر الحصار، وتعرية الفتوة الزائفة مؤكدًا للمغرر بهم أن أولئك الذين يتشدقون بالوطنية إن هم إلا أدعياء، خبراء فى الكذب واللصوصية.

كشفت الظاهرة أيضًا أن المصريين –جميعًا- يبغضون هذا النظام؛ رأسه وأركانه وحاشيته وخدمه؛ إلا قلة من المارقين تجمعهم المصلحة، هم الطائفيون والشهوانيون والفاسدون والمتحللون من القيم والأخلاق، أما غير هؤلاء فالشعب على ملة واحدة؛ هى كراهية هذا النظام الفاشى، وقد طال هذا البغض –للأسف- الجيش، وما كنا نود أن يكون هناك حاجز ولو صغيرا بين الشعب وجيشه؛ لما يتولد عنه من هزائم ونكبات.

وكيف لا يبغض المصريون هذا النظام وقد انكشفت سوأته، وقد علموا تبعيته، وعاينوا دمويته، وعاشوا فشله؛ فما من مولود يولد إلا وطاله شىء من أذيته. وهل يليق بمصر -التاريخ والحضارة والثروة البشرية- أن يحكمها هؤلاء الأقزام فيجعلوها على مقاسهم؟ وهل عدمت الكفاءات الأمناء الأقوياء حتى يتولاها أمثال (دودى)؟ من أجل ذلك تعاطف الناس مع هذا المقاول، واستدعوا الأمثال الشعبية والشخصيات التاريخية وحتى النوادر والطُرف؛ ليصنعوا منه (حالة نصر) وهم فى الواقع غارقون فى اليأس، منغمسون فى الهمِّ، تكتوى جنوبهم وظهورهم بالأوجاع جراء الأوضاع المأساوية التى يحيونها.
التحليلات والتعليقات، والنكت والفكاهات جميعها تقول لهذا النظام: ارحل، كلنا نكرهك، أنتم رجس من عمل الشيطان، كفاكم إنهاكًا للشعب إلهابًا لظهره، ارحلوا قبل أن تكون فتنة تحرقنا وتحرقكم؛ إذ الشعوب قد تُبتلى بمصيبة واحدة، أما شعبنا الأصيل فقد ابتُلى على أيديكم بمصائب عدة، ابتُلينا باستبدادكم، وفشلكم، وفسادكم وما جرته علينا هذه وتلك من مظالم وعوز.

وعدتمونا منذ سنين أن مصر ستكون (قد الدنيا) وقد وفيتم! إذ صارت فى (ذيل الدنيا)! فتبدلت لهجتكم: (مفيش، معنديش، أجيب منين، هاتولى فكة، اتبرع لمصر بجنيه، كله هيدفع إلخ) ثم سمع الناس عن السفه والتبديد؛ فلل وقصور خاصة، وإهداءات بالمليارات لأصدقاء قدامى من أموال الدولة، وحمامات سباحة، وتعديلات بعشرات الملايين بأمر مَنْ ظلت ثلاجة بيتها عشر سنين ليس فيها سوى الماء! ما هذا؟ ثم ما هذه المدافن التى يتمنى ملايين المصريين الأحياء العيش فيها والاستمتاع برخام واجهاتها وبمنظر البوابة المفضية إليها؟

إذًا نحن نعيش (تمثيلية)، الممثلون فيها يبتزوننا ويستخفون بنا. وهذه هى البطولة التى أحرزها المقاول؛ حذرنا من الحواة، ومن الزيف والخداع، وأكد للشعب أحقيته فى هذا البلد دونهم. كما نبه إلى قرب زوال هذا النظام القائم على غير أركان، المفتقد إلى العدل والإنصاف، وأن رأس هذا النظام فاسد؛ فما بالك بجسده وأطرافه؟
ليت دهاقنة النظام يفهمون أن الشعب فى شوق إلى لحظة سقوطهم، والشعوب إذا اشتاقت لا تهدأ حتى يُلبَّى شوقُها؛ فإذا جاءت الطعنة الأولى فلا تسل عما يتبعها ولا من وجّهها؛ فكلها فى مرمى نظام ساقط انتهت صلاحيته ولا منقذ له؛ فلن ينفعهم يومئذ أمريكا ولا إسرائيل، ولن ينفعهم سلاحٌ ولا تحصينات؛ ولو نفعتهم لنفعت غيرهم ممن قضوا تحت أحذية شعوبهم.

فيسبوك